طموحات فيسبوك: كيف يسعى زوكربيرج للسيطرة على العالم؟

طموحات فيسبوك

ناقش التقرير الذي نشرته صحيفة «الإيكونوميست» القوة التي وصلت لها إمبراطورية فيسبوك، والتي قارنها بإمبراطورية روما، فتلك الإمبراطورية الجديدة التي لا يتجاوز عمرها 12 عامًا تمكنت من تكوين جمهورًا هائلًا، ومن أن تمتلك ثروةً ضخمةً، وأن يكون لها قائد مؤثر، وتكون بهذا الحجم من القوة والتأثير الذي فاق التخيلات.

يصل عدد مستخدمي فيسبوك اليوم إلى 1.6 مليار مستخدم، فيما يستخدمه مليار شخص يوميًّا لمدة لا تقل عن 20 دقيقةً، وتستخدمه النسبة الأكبر من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في الغرب، ليصبح تطبيقه على الهواتف الذكية يشكل 30% من استخدام الأمريكيين للإنترنت عبر هواتفهم، ويصبح سادس شركة من حيث القيمة على سطح الكوكب، حيث تقدر قيمته بـ325 مليار دولار.

يضيف التقرير أن طموحات مارك زوكربيرج، المؤسس والمدير التنفيذي الشاب، لم تتوقف عند هذا الحد، وما زال يخطط لربط المناطق التي لم يصل إليها الإنترنت في الدول الفقيرة من خلال طائرات تعمل بالطاقة الشمسية، في الوقت الذي يحرز فيه تقدمًا هائلًا فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، كما يرى التقرير أن هذه التطورات وتوسع إمبراطورية الفيسبوك تنقل الأمر إلى صراع مباشر مع عمالقة التكنولوجيا الآخرين، وتحديدًا جوجل، وهي المعركة التي ستغير شكل المستقبل الرقمي بالنسبة للجميع.

إمبراطورية البيانات

يرى التقرير أن الفكرة الرئيسية لفيسبوك تتمحور حول بناء خدمات تجذب عددًا ضخمًا من المستخدمين، ويمكنه بالتالي بيع ذلك الاهتمام الضخم للمعلنين، وهو الأمر ذاته بالنسبة لجوجل، إلا أن الدور الذي تلعبه كلتا الشركتين في حياة المستخدم هو دور مختلف، ففي الوقت الذي يملك فيه جوجل كمًّا هائلًا من البيانات عن هذا العالم، يعرف فيسبوك الكثير عنك وعن أصدقائك، لذلك، فأنت تستخدم جوجل لإنهاء أعمالك، في حين تستخدم فيسبوك بعد انتهاء تلك الأعمال عندما يكون لديك الوقت، إلا أن التقرير يرى أن الاتجاهات الحالية لكلتا الشركتين متطابقة إلى حد بعيد، كما أن الأرباح الهائلة التي تحققها كلتاهما تجعل المنافسة والتحدي بينهما شرسين للغاية، وتجبرهما حتى على شراء أي منافس محتمل لأي منهما. ما زالت الشركتان تتلهفان أيضًا إلى المزيد من المستخدمين والمزيد من البيانات، ما يفسر تلهف كلتيهما نحو السيطرة على المناطق التي لم يصل الإنترنت إليها في الدول الفقيرة، والتي تسعى فيسبوك للسيطرة عليها من خلال الطائرات التي تعمل بالطاقة الشمسية، وتسعى جوجل للسيطرة عليها من خلال بالونات عملاقة يمكنها ربط عدد ضخم من المستخدمين بالشبكة العالمية.

تضيف الصحيفة أن الغاية الرئيسية بالنسبة لهؤلاء العمالقة هي تقديم خدمات جديدة وتحقيق الربح من مصادر جديدة، وهنا يراهن فيسبوك على تقنيات «الذكاء الاصطناعي»، والتي تعتمد على معالجة البيانات في الأساس، وتستخدمها حاليًا بالفعل في التعرف على صور الأشخاص على سبيل المثال، وكذلك تحديد المستخدمين المستهدفين من إعلان معين، وغيرها من التكتيكات التي يستخدمها الموقع كتطبيقات لمبدأ الذكاء الاصطناعي، كما يسعى فيسبوك حاليًا لتطوير خواص المساعد الرقمي التي سيمكنها التفاعل مع المستخدم والرد عليه لحظيًّا وبكفاءة تامة من خلال الرسائل، كما ينوي الموقع إطلاق حزمة جديدة من الخدمات الأسبوع المقبل تمكن المستخدم من حجز سيارة أوبر من خلال تطبيق ماسنجر، وغيرها من الأمور التي تسهل حياة مستخدميه، كما تستمثر الشركة بقوة في مجال الواقع الافتراضي، وخاصةً مع إعلان استحواذها على شركة Oculus المتخصصة، في صفقة بلغت ملياري دولار عام 2014، حيث من المنتظر أن تنتج بالتعاون معها نظارات الواقع الافتراضي التي ستكون بمثابة نقلة جديدة في العالم الرقمي، والتي اختُبِرت بالفعل في مؤتمر تقني ببرشلونة هذا العام.

يقول الكاتب إن الفكرة الأساسية حاليًا هي وجود منافسي فيسبوك في تلك المناطق أيضًا، حيث تستخدم جوجل أيضًا تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين خدماتها ومساعدة السيارات ذاتية القيادة. ويرى التقرير أنه على الرغم من استثمار شركات أخرى عملاقة أيضًا بقوة في هذا المجال، إلا أن كم البيانات الذي تملكه كلّ من فيسبوك وجوجل يجذب أقوى الباحثين والشركات الناشئة المميزة في هذا المجال للعمل معهما. في المقابل، ما زال فيسبوك متأخرًا أمام أمازون وآبل وجوجل وميكروسوفت فيما يتعلق بتكنولوجيا المساعد الشخصي القائمة على الذكاء الاصطناعي، كما أن دخول فيسبوك بقوة في مجال الواقع الافتراضي يظل تحت منافسة كبرى مع شركات أخرى على رأسها ميكروسوفت.

يعتقد الكاتب أن حجم الطموح الذي يملكه فيسبوك، والمنافسة الشرسة التي يواجهها، سينعكس كليًّا على طريقة التفاعل بين الناس وبعضهم، وبينهم وبين البيانات وما يحيط بهم وفق تلك التحولات التكنولوجية الكبرى، حيث سيسهل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي في توفير احتياجات المستخدم بسهولة، كخدمة جوجل إنبوكس التي تقترح ردودًا على رسائل البريد الإلكتروني الواردة إليك، وغيرها من الخدمات التي ستمكنك من إنهاء الكثير من الأعمال من خلال تحدثك مع مساعد آلي نصيًّا أو صوتيًّا، كما يفترض أن تحمل السنوات القادمة تغيرات جذرية عالميًّا، وزيادة مظاهر تلك التطور في الحياة اليومية للمستخدمين في كل أوقات اليوم.

قد تكون هذه هي النظرة الطموحة التي يسعى إليها عمالقة التكنولوجيا كفيسبوك وجوجل وميكروسوفت وغيرهم، إلا أن الكاتب يظن أنه خلف كل تلك الطموحات يكمن أمر الخصوصية وأمن المستخدم، والذي يمثل الجزء الأكبر من المخاوف التي تتعلق بمثل تلك الخدمات، والتي سوف تُقدم على أساس شخصي بحت، لذا، فإن عدم شعور المستخدم بالأمان التام من خلال استخدام تلك التكنولوجيا سيكون خطرًا كبيرًا على تلك الطموحات.

المستخدمون هم القوة الحقيقية

يضيف الكاتب أن المخاوف الأخرى تتمثل أيضًا في الاحتكار الذي ستسعى إليه تلك الشركات الكبرى، وتلك النظم الإيكولوجية المغلقة التي ستجعل من الصعب على المستخدم تغيير مزودي الخدمات، فعلى سبيل المثال تم منع خدمة فيسبوك للإنترنت المجاني في الهند، والتي كانت تتيح للمستخدم استخدام مواقع بعينها مجانًا، وهو ما اعتبرته الهند خطرًا كبيرًا أن تقوم شركة واحدة بتوجيه المستخدم لاستخدام مواقع أو خدمات معينة، وأن تحكم السيطرة على المستخدمين بتلك الطريقة، في الوقت الذي تحقق السلطات الألمانية المهتمة بعدالة المنافسة في الطريقة التي يتعامل بها فيسبوك مع البيانات الشخصية، كما أنه من المتوقع أن يواجه فيسبوك الكثير من مثل هذه القضايا مع تزايد سيطرته عالميًّا، وهو ما حدث سابقًا مع جوجل وميكروسوفت.

يختتم الكاتب التقرير بتأكيد أن التحدي المتعلق بأمن المستخدم أصبح أكثر صعوبةً وتشابكًا، كونه يمس حياة مليارات البشر، وأن التحدي يكمن بين فرصة تحقيق ربح هائل مع تجنب الوقوع في هذا النوع من الأخطاء، ووصفه بأنه التحدي الأكبر في هذا القرن، فحتى في إمبراطورية روما، انقلبت الحشود المؤيدة ضد حكامهم، وهو ما على زوكربيرج الخوف منه ووضعه في الاعتبار دائمًا.

المصدر