الملف الكامل لأول إنقلاب في موريتانيا على أول رئيس للبلاد !

النهار الموريتاني: بمناسبة الذكري الخامسة والثلاثين لانقلاب العاشر من يوليو، حرص موقع “النهار” على أن يقدم لمتصفحيه رواية شخصيات لها وزنها الوطني وكانت فاعلة في الاعداد والتنفيذ للإنقلاب الذي أطاح بنظام الرئيس المختار ولد داداه، تم تجميع عناصرها من خلال حوار مع تلك الشخصيات بتاريخ يونيو 2008  ولم تسمح الظروف بنشرها إلا الآن .. هذه الرواية التي لا أدعي أنني استخلصت منها جميع الجوانب التي تطرقت إليها تلك الشهادات، أو أحطت بجميع تشعباتها،

لكنني رغم ذلك سأشعر بمستوى من الرضي، عندما أنجح  في  وضع جوانب من الصورة اعتمادا علي بعض من خطط وشارك  في التنفيذ بالنسبة لحدث شكل محطة مفصلية في التاريخ الموريتاني الحديث، علها تكون لبنة ضمن البناء الكلي الذي لن يكتمل إلا بالاطلاع علي جوانب قد يدلي بها آخرون كانوا في قلب الحدث وساهموا في توثيقها.

 وقد ينبري للمهمة أيضا أولئك الذين يدركون أهمية التدوين، حتي لا يضيع تاريخنا الحديث، ويكون مصيره مثل مصير ماضينا خلال فترة ما قبل الدولة  عندما ضاعت تفاصيل هامة من حيات مجتمعنا، لاعتماده علي التداول الشفوي ولشح التدوين في  فضائه البدوي المنشغل بهموم الترحال والانتجاع.

لذا أردت أن تشكل هذه الخطوة مساهمة في كشف جوانب تهم معاصري الحدث ويتطلع إليها الاجيال التي لم تعاصرها وترغب في أن تعرف ماذا حدث وكيف حدث؟ وما هي الدوافع التي حركت  هؤلاء الرجال وجعلتهم يغامرون بحياتهم من أجل تحقيق هدف رأوا فيه إنقاذا لبلدهم، قبل أن ينقض آخرون على ما أنجز، بغية الخلاص الوطني وتلك  قصة أخري.. فما يهمنا هنا هو: حقيقة تخطيط وتنفيذ انقلاب العاشر من يوليو سنة 1978 من خلال محاورة شخصيتين من الجناح المدني كانتا ضمن  التنظيم السري الذي خطط للإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه وكذلك طريقة اعتقاله ليلة العاشر من يوليو، كما يرويها قائدها.

وهم: عضوي الجناح المدني: المفكر محمد يحظيه  ولد ابريد اليل وذ/ أحمد ولد الوافي.. وقائد المجموعة التي  اعتقلت الرئيس المختار ولد داداه: الضابط المختار ولد السالك

حوار وصياغة وإعداد: محمد المختار ولد محمد فال- كاتب صحفي

مقـدمـة:

إذا كان البعض يتهيب من الحديث عن الحاضر، بحجة أن فصوله لم تكتمل بعد، أو أن الأحداث قد تتطور خلاله وتصل إلى وجهة غير متوقعة، ونتائج لم تكن في الحسبان.

إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهؤلاء، فإن هنالك من تجاوز الحاضر إلى رسم آفاق المستقبل، يحلله من خلال العوامل والميكانيزمات المتحكمة في الظاهرة العلمية أو الإنسانية.

أما عندنا في موريتانيا، فإن الماضي لا زال عبارة عن “تابو”، يغامر من يمد إليه يده بالكتابة أو بالتحليل، سواء أكان بالإيجاب أو بالسلب، أو وفقا لموضوعية صارمة، يتوخاها ويحرص على الالتزام بها.

ولعل مرد ذلك هو: الطابع الشفوي للرواية التاريخية عندنا، وقابليتها لأن تتخذ وجهتين متناقضتين في آن واحد حسب الزمان والمكان، عكس التدوين الذي لا يقبل سوى صيغة واحدة -بغض النظر عن الصحة أو الخطأ-.

من هنا صار لزاما على المغامر، الذي يتجرأ على ملامسة التاريخ المتعلق بهذه البلاد، أن يلجأ إلى الحيلة، إما بإخفاء ما يكتب حتى يرحل عن هذه الدنيا، وعندها يصبح في حل من كل إحراج بدني أو معنوي.

أو يلجأ إلى التّقْيَة والمجاملة وعندها يرضى من الغنيمة بالإياب.

واقع إذا استمر، سيكون كفيلا بضياع الكثير من التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي لبلدنا، لذا صار لزاما علينا –قبل فوات الأوان- ولكي نستدرك ما يمكن استدراكه، أن نواجه هذا “التابو” وننفض الغبار عن قضايانا ومجمل جوانب التجارب التي مرت ببلادنا- كل حسب رؤيته- وأن نفسح المجال أمام هذا الاختلاف ليظهر على الصفحات، وعندها يصدر القارئ المعاصر حكمه، أو نتمكن علي الاقل من ترك مادة خام، يمكن للأجيال اللاحقة أن تكوِّن من خلالها صورة عن بلد غني بأحداثه، لكن أهله تجاهلوها وكانوا أشد حرصا على أن يحمدوا بما لم يفعلوا، بفعل ادعائهم العصمة في حاضرهم وتقديسهم لماضيهم، دون أن يدركوا خطورة هذا المسلك على تراثهم الثقافي والسياسي  الاجتماعي وضرر تلك السحب التي يراكمونها أمام الأجيال اللاحقة ليحجبوا بها الحقيقة عنهم، وهو ما سيشوش الذاكرة الوطنية ويحول تاريخنا إلى مجموعة استنتاجات مغلوطة ومموهة للحقيقة.

وأمام واقع كالذي نعيشه اليوم، والذي يضفي قدسية على أنساب القبائل والأسر ويرى أنها التاريخ الجدير -وحده- بالاهتمام، فإنه يجب علينا أن نتوجه إلى البحث والتدقيق في شؤوننا السياسية والثقافية والاجتماعية والاستراتيجية، لنغوص  فيها، علنا نكتشف من خلال البحث العلمي طبيعة البنيات والآليات المتحكمة في مختلف جوانب حياتنا، لنقدم للمهتم حقيقة واقعنا، ولنتمكن من فهم طبيعة التحول السياسي والثقافي والاجتماعي لبلدنا، الذي يتراءى للناظر المبتدئ، وكأنه في غاية البساطة والسطحية، قبل أن يكتشف لاحقا عند التدقيق أنه بلد شديد التعقيد والتنوع.. واقع دفع بالبعض إلى أن يصف الإنسان الموريتاني بالازدواجية أحيانا وباللامعيارية أحيانا أخرى.

وإذا كانت “شنقيط” قد شيدت هويتها الثقافية والحضارية في الماضي، ورسخت تفاعلا  نشطا مع محيطها العربي والإسلامي، تبادلت خلاله الأدوار مع الآخر، فتارة يحتل علماؤها وشعراؤها ورجالاتها الصدارة في بعض الحواضر العربية والإسلامية، وتارة أخري ينهل رجالاتها من فنون الثقافة العربية والإسلامية في تلك الحواضر أوفي فضاآت أخرى.. ويكون لهم صيت في فضائهم المحلي، بسبب فنونهم المستجدة التي استصحبوها معهم من تلك الجهات.

إذا كانت “شنقيط” هذه قد حسمت هويتها وتحددت وجهتها النهائية في السابق، فإن وريثتها: “موريتانيا” قد تأسست على رمال متحركة، وكانت ولادتها قيصرية، وأريد لها أن تلعب دورا غير الذي لعبته “شنقيط” التاريخية، حيث برر الفرنسيون احتلالها بضرورة التواصل بين المستعمرات كهدف وحيد معلن.

وحين قرروا توقيع شهادة ميلادها وفقا لحدودها الجديدة وتركبتها السكانية الحالية، تحولت المنطقة من موقعها الذي كانت فيه مركزا بالنسبة لجوارها الإفريقي ومنافسا معترفا به في المركز العربي والاسلامي إلى طرف وهامش مشكك في هويته ومجرد همزة وصل بين إفريقيا والعرب، وهي صفة أدت إلى انتقاد البعض لنظام الرئيس المختار لرفعه هذا الشعار ولتبنيه كحقيقة لا ياتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، هلل لها آخرون بوصفها فهما عميقا لحقيقة البلاد الجغرافية ولدلالتها الحضارية.

ورغم أن أول رئيس لموريتانيا كان ينظر إليه البعض ويصفه بأنه هو المؤسس الفعلي للدولة الموريتانية، وأنه شيدها وفقا لأفضل نموذج ممكن، بل لقبه  هؤلاء والاعلام الرسمي بـ”أب الأمة وابنها البار” طيلة 18 سنة.

إلا أن الموريتانيين عندما استيقظوا صباح العاشر من يوليو 1978 وجدوا بلدهم وقد أصبح ضمن فضاء سياسي مختلف ودخل تجربة غير مسبوقة، دشنت بالموسيقي العسكرية و وتم التعبير عنها من خلال البيان رقم1، الذي استمعوا من خلاله إلي جانب آخر من الحكاية: ينعت نفس النظام بأنه نظام الخيانة والرشوة، لينطلق بعدها جدل لم ينته حتى الآن.

 فالبعض رأى في العاشر من يوليو نكسة لمسيرة موريتانيا نحو التقدم والتحديث والازدهار، بل إن أرملة الرئيس المختار ولد داداه السيدة “مريم داداده” نعتت العاشر من يوليو بأنه أسوأ يوم في تاريخ البلاد (مقابلة مع صحيفة “الأمل الجديد” إبان الاحتفالات بعيد الاستقلال أواخر نوفمبر 2007)، في حين لم ير فيه آخرون سوى صفتي الخيانة والرشوة.

فالعاشر من يوليو إذن يمثل محطة هامة في التاريخ السياسي لموريتانيا الحديثة، وهو حدث تحل علينا اليوم ذكراه الخامسة والثلاثين، في ظل جدل لا زال حيا:

أنصار الرئيس المختار يرون أنه وما تلاه، يمثلان هزيمة للمدنيين داخل السلطة ومقدمة عملية لتحكم النخبة العسكرية في مجريات الأمور بشكل جذري، وتحولت بفعله “النخبة المدنية” إلى أداة بيد العسكر، مقابل فتات زهيد.

في حين يرى مناوئوه (الرئيس المختار) أن الحدث، كان ثورة بحق على نظام شيده المستعمر ووطد أركانه، ووضع في مفاصله رجاله وخدام مشروعه الاستعماري، وأنه لم يكن في يوم من الأيام نابعا من الشعب ولا من حقيقته الحضارية، ويصرون علي أن هذه الثورة قد أجهضت بعد أشهر قليلة من الاطاحة بالنظام، عندما انقض عليها ضباط كانت نظرة زملائهم لهم أنهم أعداء للتغيير مبررا كافيا لعدم إشراكهم  لهم في العملية الإنقلابية،  إلا بعد  أن اطمأنوا علي نجاح الانقلاب، وهو الخيار الذي دفع بسببه فرسان العاشر من يوليو الثمن غاليا- باعترافهم- عندما انقض الضابط أحمد ولد بوسيف ورفاقه علي السلطة وحولوا الانقاذ إلي خلاص وعندها تم تغير وجهه البوصلة باتجاه مغاير، لذا أجهض المشروع- في نظرهم – ودخلت البلاد في مطبات وسلكت منعرجات جديدة.. ليست هي ما كان يسعي إليها قادة الانقلاب عندما أطاحوا بنظام الرئيس ولد داداه – حسب روايتهم .

من هنا شكل العاشر من يوليو فرصة بالنسبة لقادته للانقضاض على نظام صنعته فرنسا صنعا وعلى حكم يرى في موريتانيا مجرد همزة وصل، وبالتالي، فإنهم يرون أنهم أعاد وا الأمور إلى نصابها الصحيح، لكنهم تعرضوا لثغرات خطيرة، عندما لم يؤمنوا موقعا مركزيا لقائد الإنقلاب: الرائد جدو ولد السلك، بفعل رفضه احتلال موقع قائد الاركان أو وزير الدفاع، لكي يضمن السيطرة علي الجيش، بحجة احترامه للتراتبية العسكرية- وهي مثالية يرون أنها أجهزت عليهم، وأدت إلي تعرضهم لمؤامرات أبعدتهم بعد أشهر قليلة، وكانت سببا لما حصل لهم من إخفاقات زإبعاد لاحقا.

ومن أجل تسليط الضوء على حدث تفصلنا عنه خمس وثلاثون سنة – وهي فترة قد تكون كافية لتقييم ما تم.. ولأن أغلب زعمائه لا زالوا على قيد الحياة- فإنني أري أنها فرصة لتعميق النقاش حول هذه التجربة من أجل الوصول إلى بلورة تصور موضوعي حولها.. لذا فإننا اليوم نسعى من خلال هذا الجهد إلي  تدوين رؤية بعض من كانوا شركاء في هذا التحول وهي خطوة قد تفتح نقاشا حول هذه التجربة وتلك إيجابية أخري.

فإذا كانت الصعوبات الأمنية آنذاك هي وحدها التي كانت تحد من تلاقي جماعة العاشر من يوليو، فإنها اليوم أصبح التقاؤها أصعب، بفعل عوامل كثيرة جدت على حياة من كانوا وراء هذا الحدث، سواء بفعل الوفاة أو بفعل هموم الحياة وتناقضات المرحلة.. من هنا جاءت فكرة تقديم هذه الشهادة، لتكون مقدمة لإضافات ونقاشات حول الموضوع، علّنا بذا جميعا نكون قد وضعنا إحدى اللبنات الأساسية لفهم ما جرى.

فخلال إحدى جلسات (منتدى الفكر والحوار الديمقراطي سنة 2008)، دار حديث بيني وبين رجلين كانا فاعلين في الحدث، بل من أبرز قادته هما: السيدين محمد يحظيه ولد ابريد الليل وأحمد الوافي، وتطور الحديث إلى الاتفاق على تسجيل وتدوين شهادتهما حول العاشر من يوليو في ذكراه الثلاثين آنذاك، لكي لا تضيع الحقيقة وحتي تعرف الأجيال اللاحقة حقيقة ماجري وكيف تم؟ وكان ذلك فرصة لي للظفر بتدوين هذه الشهادة الهامة، علّها تكون فاتحة للحديث المباح بالنسبة لبقية زعماء العاشر من يوليو الآخرين.

وقد شجعني على المضي في الموضوع أن الرجلين رغم انخراطهما المبكر في التخطيط والإعداد، فهما رغم ذلك لا يدعيان امتلاكهما لوحدهما كل حقيقة ما جرى، واعترافهما الصريح بأن هناك شركاء بارزين آخرين، مثل: جدو ولد السالك وسيد أحمد ولد ابنيجاره، والمصطفى ولد محمد السالك، وأحمدو ولد عبد الله، ومحمد خونه ولد هيداله ومولاي ولد بوخريص، وممد ولد أحمد، ومحمد المختار ولد الزامل..إلخ، بالإضافة إلى الجماعة التقليدية مثل: شيخنا ولد محمد لقظف، وبحام ولد محمد لقظف، وأحمد بن أعمر، والحضرامي ولد خطري، وباممدو صمبولي، وعبد القادر كمرا، ويحي ولد منكوس.

وقد أضفت لروايتهما  رواية الضابط المختار ولد السالك- وهو شقيق زعيم الانقلاب الفعلي وصاحب القرار الحاسم الذي كان وراء نجاحه: المرحوم جدو ولد السالك- الذي روى التفاصيل الدقيقة لعملية اعتقال الرئيس المختار، التي كلفه بها شقيقه جدو، عند ما انتدبه لهذه المهمة أثناء الإعداد وبعد تعثر التنفيذ في موعدها الأول.. وهي العملية المحورية التي كان يتوقف عليها كل شيء، كما أن استماتته في التنفيذ سمحت بنجاح الانقلاب دون إسالة للدماء أو حصول إشكالات دموية أثناء التنفيذ.

بـدايـة القـصـة:

في منزل مقابل لثانوية البنات من الناحية الشمالية، يقطنه السيد مولاي اسليمان (وهو رجل من مدينة النعمه يعمل بشركة الخطوط الجوية الموريتانية)، يستخدمه طالب في الثانوية الوطنية عمره 19 سنة يدعى جدو ولد السالك، وخلال ما يسمح به وقت الداخلية من خروج، وصحبة زملاء له هم: سيد أحمد ولد ابنيجاره، ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل وممد ولد أحمد وآخرون، ولدت فكرة الانقلاب على نظام المختار ولد داداه في هذا المنزل سنة 1963،

 وهي نفس السنة التي ذكر أحمد الوافي أنه أيضا خاطبه فيها جدو حول نفس الموضوع (كانت بين عائلتيهما وبينهما روابط خاصة، فقد كانا ينتميان إلى قرية “نواودار” بمقاطعة النعمه) قائلا: يا أحمد، اذهب أنت إلى مصر وادرس الاقتصاد، أما أنا فإني ذاهب إلى فرنسا السنة المقبلة، لأدرس فنون الحرب، وبعد التخرج نعودا لنعمل انقلابا على المختار ولد داداه انتقاما للشعب الموريتاني من الاستعمار، حقيقة يؤكد محمد يحظيه ولد ابريد اليل أنها كانت وراء انخراط جدو في الجيش، بغية خروج البلاد- في نظره- من دائرة الاستعمار وإنجاز الاستقلال الحقيقي وهو الخيار الذي قال محمد يحظيه ولد ابريد اليل أنهم كانوا قبل التخطيط لانقلاب العاشر من يوليو كانوا يفكرون في شن حرب عصابات لتحقيقه، بغية تحرير المنطقة من أنظمتها التي كانوا يرون أنها عميلة، وخاصة في موريتانيا والمغرب، هذا المغرب الذي قال محمد يحظيه أنهم كانو يرونه معاد لهم، بوصفه بلدا يحكمه نظام موال للإستعمار ويضطهد شعبه وقال إنهم رأوا في شن البوليزاريوا للحرب فرصة للإلتحاق بها، بغية تحرير المنطقة من تلك الأنظمة، لكنهم- كما يقول- اصطدموا برؤية قاصرة وضيقة كانت لدي البوليزاريو.

ويروي الاستاذ محمد يحظيه أنهم كانوا يرون في الجزائر آنذاك بلدا، سيكون ظهيرا لهم في مشروع حرب العصابات هذا، وهو ما أكده موقفه الداعم للبوليزاريو.. ويقول بأنه قد التحقت فعلا مجموعة من الموريتانيين بالبوليساريو، بدافع نفس الخلفية وانطلاقا من نفس الرؤية، لكنهم نتيجة لعدم معرفة البوليساريو المسبقة بهم وعدم وجود أي اتصال مسبق بينهما، شكت البوليزاريو في أمرهم ولم تثق بهم وظنت أنهم قد يكونوا عملاء للنظام الموريتاني، فاعتقلتهم ولم تطلق سراحهم إلا مع السجناء الموريتانيين سنة 1980م، وكان من بينهم شخصان عضوان في حزب الصواب الآن.

ويؤكد أ. محمد يحظيه أن خطتهم البديلة في حال ما إذا فشل الانقلاب، كانت تقضي بالاندماج التام مع البوليزاريو، مصحوبين بقواتهم التي كانت تأتمر بإمرتهم للقيام بحرب عصابات، مكرسين لخيارهم المبدئي في تحرير المنطقة من أعوان الاستعمار، معولين علي الدعم الجزائري ومن طرف الرئيس هواري بومدين تحديدا.

وفي السنة الموالية: (1964)، سافر الشابان(جدو وأحمد) كل وفق ما رسم له، ونفس الشيء بالنسبة لزملاء الدراسة والتوجه القومي في الثانوية الوطنية، الذين لا زالوا يتذكرون اليوم بعض جوانب النقاشات التي كانت تجري في منزل مولاي اسليمان والتي تمحورت حول مؤتمر ألاك 1958 باعتباره مجرد مؤامرة قام بها الرجعيون والاستعماريون مثل: السيد “فيزي”، والسيد “كامبورسي”، والكابتين “بيلي”.

وخلال إحدى الليالي المقمرة من شهر أغسطس 1977 –وهو موسم خريف- خرج السادة جدو ولد السالك وسيد أحمد ولد ابنيجاره وأحمد الوافي في سيارة من نوع 504، للمحافظ المساعد للبنك المركزي المعين لتوه السيد سيد أحمد ولد ابنيجاره، متوجهين إلى خيام “أهل حمداهي” شرق العاصمة، حيث يوجد السيد “لمرابط ولد حمداهي”، الذي تربطه صداقة قوية بسيدي أحمد ولد ابنيجاره، أيام كان طالبا في ساحل العاج والآخر تاجرا هناك.

إلا أنهم ضلوا الطريق، ورغم ذلك لم ينزعجوا مما حصل –كما يروي الأستاذ أحمد الوافي- فأوقفوا سيارتهم يتحسسون الصوت، فبينما هم كذلك إذ همس الأستاذ الوافي من مقعده الخلفي بإماءة وهو يدخل رأسه بين المقعدين قائلا: أتذكر أن أحد الاستراتيجيين قال: “إن النصر هو نقطة الالتقاء ما بين الإرادة والفرصة”، وأعتقد أن الفرصة اليوم متاحة لنا من أجل أن نقوم بعملية انتقام من النظام الاستعماري، الذي فرض علينا، وفي نفس الوقت نوقف هذه الحرب المدمرة.

فالفرصة متاحة لنا لنعمل انقلابا عسكريا، ما رأيكم في أن نقوم بانقلاب عسكري؟ فالتفت إليه سيد أحمد ولد ابنيجاره وهو في غاية الانزعاج وقام بنزع نظارتيه وهو يقول لأحمد: ماذا تقول يا شاب؟ عندها قهقه جدو ولد السالك ونزل من السيارة وهو مستغرق في الضحك، وخاطب سيد أحمد قائلا: ألا تدري أنني أنا وأحمد قد اتفقنا من قبل على أن يذهب هو إلى مصر ليدرس الاقتصاد، وأذهب أنا لفرنسا لدراسة فنون الحرب، وبعدها نعودا إلى البلاد، لكي نعمل معا انقلابا عسكريا؟. عندها عاد سيد أحمد إلى حالته الطبيعية ونزل الجميع وجلسوا على ربوة مجاورة في “تنويش”، حيث كان الجو شاعريا، وكانوا جد مطمئنين إلى أنهم سيهتدون إلى الخيم التي يبحثون عنها، فتحولت الجلسة –حسب الأستاذ الوافي- إلى خلوة لنقاش موضوع الانقلاب، الذي سبق أن فاتح فيه جدو سيد أحمد، ولربما أشخاصا آخرين.

ويروي أحمد الوافي أنهما سألاه: ما رأيك؟ فأجابهم بأن نقطة البداية، يجب أن تنطلق من تقسيم العمل، لذا أقترح أن يكون جدو هو المعني بالمؤسسة العسكرية من حيث الاتصال والتعبئة، أما أنت يا سيدي أحمد فأنت مسؤولا عن القيادة العامة وخاصة منها الجانب المدني. وبالنسبة لي أنا (أحمد) فسأكون مسؤولا عن العلاقات الخارجية.

ثم تساءلنا عمن يجب الاتصال به؟ فأجاب سيد أحمد ولد ابنيجاره: نتصل بإخوتنا، وفهمنا أنه يعني محمد يحظيه وممد ولد أحمد، ثم تطرقوا إلى موضوع الاتصال بالجماعات السياسية الأخرى، مثل الحركة الوطنية الديمقراطية وحركة الميثاقيين والناصريين والإسلاميين. ثم شرعوا في تصنيف الضباط حيث تم ذلك على النحو التالي:

1- مجموعة مضادة، يجب الحذر منها، مثل الشيخ ولد بيده – وأحمد سالم ولد سيدي – وأحمد ولد بوسيف – والعقيد عبد القادر ولد ابه ولد عبد القادر “كادير”.

  2- مجموعة إيجابية وهي: المصطفى ولد محمد السالك – ومولاي ولد بوخريص – ومحمد خونا ولد هيداله – وأحمدو ولد عبد الله. عندها تكفل جدو ولد السالك بالاتصال بهؤلاء وتعبئتهم، بمساعدة سيد أحمد ولد ابنيجاره.

هذه الجلسة يرى الأستاذ أحمد الوافي أنها هي التي تقرر خلالها القيام بعمل انقلاب عسكري، بشكل فعلي وجاد ووفقا لعملية تقسيم الأدوار السابقة.. وبعدها، تم الاتصال بممد ولد أحمد ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل، اللذين انخرطا فورا في العمل.

أما الشخصية الوحيدة التي توقفوا عندها وتساءلوا هل ستقبل أم لا؟ فهو: الضابط معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، لذا كثف جدو وسيد أحمد ولد ابنيجاره اتصالاتهما به والتحق بهما لاحقا محمد خونا ولد هيداله، حيث حاوره الثلاثة من أجل أن ينضم إلى المجموعة، لكنه رفض والتزم بالمقابل لجدو بأنه لن يفشي سرهم.

وبما أن موضوع القوات المغربية كان موضوعا مقلقا بالنسبة لهم كانوا خلال جلسات الإقناع مع معاوية، يحاولون من خلاله معرفة حقيقة وجودها، بوصفه مديرا للعمليات القتالية، الشيء الذي خوله مرافقة الرئيس المختار، كلما ذهب إلى المغرب، ليطلب مددا جديدا، وجعله ذلك على علم بكل التفاصيل.

وكان كلما عاد من المغرب يطلب من جدو الإسراع في التنفيذ، ويخبره بأنه يعمل على عرقلة نقل القوات المغربية من ازويرات إلى مدينة أطار ومنها إلى اكجوجت وتكرر الإنذار، حيث أخبر معاوية جدو في الأخير بأنهم إذا لم يسرعوا في التنفيذ، فإن تقدم القوات المغربية، سيجعلهم عاجزين عن تنفيذ عملية الانقلاب.

ذلك أنهم كانوا ينظرون إلي تلك القوات علي أنها معادية لهم، لتحالف المغرب مع نظام المختار، بالإضافة إلي أنها قد تكون –في نظرهم- لها أهداف تتجاوز تحالفها مع النظام ومصالحه الآنية.

واستمر تهييء الانقلاب، عبر مسارات متعددة، تمثلت في ما يمكن تسميته بالنواة الصلبة والأساسية والمكونة من مدنيين وعسكريين، يمثل الشق العسكري منها خمسة ضباط، هم: جدو ولد السالك- المصطفى ولد محمد السالك- محمد خونا ولد هيداله- مولاي ولد بوخريص- أحمدو ولد عبد الله.

أما الجانب المدني فيتألف أيضا من خمسة أشخاص، ويتزعمهم: سيد أحمد ولد ابنيجاره،  وبعضوية محمد يحظيه ولد ابريد الليل وأحمد الوافي وممد ولد أحمد، وانضم إليهم- بعد فترة تقرب من الأسبوع- محمد المختار ولد الزامل، وكان جدو ولد السالك ينضم إلى جلساتهم من حين لآخر.. وهذه المجموعة، هي التي كانت تمثل الجهة التي تتولي التخطيط والعمل الميداني وقد يكون  ذلك لانشغال العسكريين الآخرين بالحرب وتباعد أماكن تواجدهم مبررا لذلك.

أما المسار الآخر فكانت تتحرك ضمنه مجموعة من الشخصيات التقليدية، من أهمها: شيخنا ولد محمد لقظف، وبحام ولد محمد لقظف، وأحمد بن أعمر، والحضرامي ولد خطري، وانضم إليهم في وقت متأخر، السادة با ممدو صمبولي، وعبد القادر كمرا، بفضل جهود شيخنا ولد محمد الاقظف ومن بينهم كذلك يحي ولد منكوس، الذي استمر في عضويته معهم- رغم تعيينه واليا على لبراكنه والذي كان ينسق معه، هو: بحام ولد محمد لقظف، لانه إداري مثله.

ويروي السيد أحمد الوافي ذكرياته عن هذه المرحلة قائلا: إن الاتصال بشيخنا كان بمنزله(شيخنا) في توجونين وتم عن طريقه(أحمد)، وأنه بمجرد إخباره بالامر، تهلل وجهه فرحا وقبل علي الفور المشاركة دون تردد وقال إنه كان أهم قناة لإقناع أحمدو ولد عبد الله، الذي لم يكن يثق في جدو ولد السالك، ويراه مندفعا أكثر من اللازم.

ويؤكد الأستاذ أحمد الوافي أن اختيار شيخنا كان لعدة عوامل منها معارضته الشديدة لنظام المختار رغم أنه رئيس أرباب العمل، وعضو في المكتب السياسي لحزب الشعب بالوظيفة- هذا المكتب السياسي الذي يري محمد يحظيه أن دوره كان توجيهيا وليس جوهريا.

ورغم كون والد شيخنا وجده استشهدا وهما يقاومان الفرنسيين، إلا أنه رغم ذلك كان وجوده مطمئنا لفرنسا وهذه إحدي عوامل الاتصال به- حسب أحمد الوافي.

وبعدها تم الاتصال بأحمدو ولد عبد الله في منزل شيخنا في توجنين، حيث قبل الانخراط في العملية وبذا حصلت الجماعة علي بغيتها تلك.

فبالإضافة إلى هذه الشخصيات التقليدية، كانت هناك ثلاث شخصيات من النواة الصلبة، كانت تشترك معهم أحيانا في نقاشاتهم وهم: سيد أحمد ولد ابنيجاره، ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل، وممد ولد أحمد.

واستمرت اللجان في عملها، فاللجنة العامة (المدنية) تجتمع في منزل سيد أحمد ولد ابنيجاره، أما العسكرية فكانت تجتمع في منزل أحمد الوافي (وهو منزل يملكه المرحوم همّام كانت تؤجره له اسنيم أو ساميا).

ويروي محمد يحظيه أن المجموعة العسكرية قد اجتمعت مرة في منزله، لكن ذلك الاجتماع لم يكن موفقا، بفعل الاشخاص الموجودين في المنزل ونتيجة لحرصهم علي أن يكون مظهر اجتماعهم عادي.

وقد واصل جدو ولد السالك تعبئته وتحركه داخل المؤسسة العسكرية وتميز نشاطه بالشمولية، وهو من انفرد بالاتصال  بالضباط الصغار، حيث استطاع إقناع عناصر من الضباط الشباب ونظمهم فرادى أوضمن مجموعات متعددة، مثل: (سيد أحمد ولد ابيليل، وابريكه ولد امبارك، ومحمد محمود ولد الديه، الذي كانت تربطه بجدو علاقات خاصة، والداه ولد الحسين، ومولاي هاشم ومجموعة من الضباط القوميين).

وتمحورت النقاشات داخل لجنة الشخصيات التقليدية حول المواضيع السياسية والتطورات المستجدة، وأحيانا يكلف بعض المدنيين بالاتصال ببعض العسكريين. فمثلا كلف السيد بحام ولد محمد لقظف بالاتصال ببعض العسكريين، كما اتصل محمد يحظيه ولد ابريد الليل بأحمدو ولد عبد الله، الذي كانت تربطه به صداقة شخصية غير معروفة لدى الكثيرين وكان كلما خافوا من حدوث فتور بالنسبة لبعض العسكريين يتصل بهم بعض الشخصيات المدنية، وهو ما تم بالنسبة لمحمد يحظيه، عندما اتصل بهيداله وأحمدو ولد عبد الله لجس نبضهما عن طريق شخص يعرفان أنه لصيق بمحمد يحظيه ويعبر عنه، فوجدهما لا زالا متحمسين للقيام بالعمل وأشد حرصا عليه، وكان كل واحد منهما يوصي بالتكتم ويحذر من بعض العناصر.

كما تم الاتصال بالمحجوب ولد بيه وضمه، بغية الاتصال بهواري بومدين للمساندة في حالة الفشل، أو إذا حصل تدخل خارجي لإفشال الانقلاب، وذلك ما تحقق عن طريق أحمد بابه ولد أحمد مسكه: القيادي في البوليزاريو آنذاك.

ورغم اتسام أسلوب العمل بالبساطة والسطحية أحيانا، فلم تتسرب أخبار الانقلاب، علما بأنه حدثت حالات من الإحباط والانتشاء، عبر مسيرة التحضير واشترك في العمل عدد كبير من ألوان الطيف.

ومن جملة ما حدث أثناء التحضير للانقلاب، هو: أن جدو ولد السالك خلال تنظيمه لإحدى الاجتماعات القلائل في منزل أحمد ولد الوافي، قد أحضر محمد خونه ولد هيدالة وأحمدو ولد عبد الله وسد عليهما المنزل وذهب ليحضر المصطفى ولد محمد السالك، لكنهما عند ما حضرا إلي المنزل لم يعرف جدو أين وضع المفتاح فاضطروا لكسر إحدى نوافذ المنزل، ليخرج من كان به.. وهي حادثة قد تبقي طويلا في ذاكرة المعنيين، لأنها لا تنسجم ومتطلبات السرية المطلقة التي كان يتطلبها الموقف آنذاك.

وكان لافتا أن هذه المجموعة، لم تستفد من التجارب العربية المتعلقة بالانقلابات العسكرية، رغم انتماء بعضها إلى أحزاب قومية عريقة ورغم شيوع استخدام العسكر من أجل الوصول إلي السلطة في المنطقة العربية، حيث كان زعماء العاشر من يوليو الأوائل متأثرين بهذا المناخ العربي ..ويعللون هذا القصور بأنه يتجلى في  بعض الجوانب الارتجالية، عكسها تحديدهم لشهر يناير في البداية كموعد لتنفيذ الانقلاب.. لكن ذلك لم يتم، واستمرت الجماعة في التحضير لعمل، دافعهم الأساسي فيه، هو: الرغبة في الإطاحة بالنظام القائم.

ومن المفارقات في هذا الشأن، أن حزب البعث في العراق كان يساند المغرب، في حين كان زعماء من الفرع الموريتاني، يعملون من أجل الإطاحة بنظام حليف للمغرب. ويرجع محمد يحظيه ولد ابريد اليل ذلك إلي أن الانقلاب ليس انقلابا للبعثيين وإنما هو انقلاب شارك فيه خليط من الشخصيات متعددة المشارب والرؤى جمعتها الرغبة في الإطاحة بنظام المختار ولد داداه.

أسباب ودوافع الانقلاب علي الرئيس المختار ولد داداه:

يؤكد السيدان أحمد الوافي ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل أن أهم عوامل إطاحتهم بنظام المختار هو:

1- حرب الصحراء، التي يريا أنها حرب في غير محلها، لأنها قسمت الصحراء بين موريتانيا والمغرب، بحيث حصلت موريتانيا على النسبة الأقل، وتم ذلك وفقا لاتفاقية مدريد، التي وقعها باسم موريتانيا، الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، نيابة عن الرئيس المختار، يوم 14/11/1975، والتي أدت إلى اندلاع الحرب بعد ثلاثة أسابيع من توقيعها تقريبا، دون أن تكون موريتانيا على استعداد لها، ودون أن تكون لها أهدافا واضحة من خوضها.

وأكدا أن المختار ولد داداه كان دائما يتجاهل قضية الصحراء، ولم تشكل المطالبة بها جزءا من خطابه السياسي- وهو ما كان يعيبه عليه بعض الاطراف السياسية آنذاك- إلا ما تم خلال خطابه الشهير في يوليو سنة 1957، الذي قالا إنه معد من طرف ضباط فرنسيين، لكنه استغل لاحقا لدعم حجج موريتانيا إبان المطالبة بجزء من الصحراء.

ويرجعان سبب دخول الرئيس المختار في الحرب إلى مخاوفه التقليدية من المغرب، ورغبته الشديدة في إبعاد المغرب عن حدود موريتانيا التقليدية، فهذه المطالبة بجزء من الصحراء- حسب الاستاذ محمد يحظيه ولد ابريد اليل- ليس من أجل الصحراء وليس لأنه يعتبر أن الصحراء وموريتانيا شعب واحد.

وينتقد الأستاذ محمد يحظيه الموقف الموريتاني الذي استند في نظره على حجج واهية، وهي:

أن مبرر التقسيم، يرجع إلى أن الشعبين، هما شعب واحد، ويرد علي ذلك بأنه إذا كان الشعبين عبارة عن شعب واحد، فكيف تقبل موريتانيا التفريط في جزء منها.

أما إذا كانت العلاقة منعدمة، فما هي مبررات أن تأخذ موريتانيا جزءا من أرض لا تخصها، وينتقد عملية التقسيم ويراها غير منطقية وغير مفهومة، خاصة وأن الصحراويين قد قضوا 75 سنة تحت الحكم الإسباني، حيث حصل بينهم ترابط كمجموعة، لذا من غير المقبول أن نفاجئهم بالقول: سينتمي جزء منكم إلى المغرب، أما الجزء الآخر فسينتمي إلى موريتانيا.

وينتقد الاستاذ محمد يحظيه تجاهل الرئيس المختار للرغبة التي عبر عنها الولي مصطفى السيد، عندما كان يهيئ لحرب التحرير في الصحراء، حيث اقترح على المختار ولد داداه  أن يساعد الصحراويين من أجل تحرير أرضهم، وعندها يتحدون هم وإخوتهم في موريتانيا، ويرى الأستاذان أنها فرصة ضيعت على موريتانيا وحرمتها من التوحد الاختياري مع الإخوة الصحراويين، وأنه اختيار دفع بالبلاد إلى حرب أهلية بين الموريتانيين وإخوتهم الصحراويين، وهو خطأ فادح لا يمكن السكوت عليه..بفعل تجاهل النظام الموريتاني للمطالب الصحراوية، التي حملها الولي مصطفي السيد، خلال زياراته المتكررة إلي موريتانيا(يتذكر محمد يحطيه أنه التقاه أغشت1975 في نواكشوط والتقاه قبل ذلك خلال زيارة أخري).

وأوضح الاستاذ يحظيه أنه- رغم قرار النظام ذاك- فقد كانت هناك مجموعتين سياسيتين وقفتا ضد الحرب، هما: البعثيون والحركة الوطنية الديمقراطية، بالإضافة إلى مجموعة من المثقفين المستقلين.

لكن النظام -وبعد أن اندلعت الحرب- قرر جمع جميع الأطر السامين، حيث تولى كل وزير قطاعه، وقام بشرح الوضعية، مؤكدا للجميع أن القضية مسألة حياة أو موت، وأكد لهم أن الموقف من الحرب، يمثل معيارا للوطنية أو عدمها.

وأثناء إحدى جلسات التعبئة حول الحرب -والتي كانت برئاسة السيدة “مريم داداه” و”بارو عبد الله”- يروي الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل أن السيدة “مريم داداه” خاطبتهم قائلة: إن الجزائر غير مهمة، فهي مجرد “شمة” بالنسبة لها، وأن انتصار موريتانيا في الحرب هو أمر حتمي.

وقال (محمد يحظيه)إنه رد عليها بالقول: هذه حرب ستنهي الدولة الموريتانية، فهي دولة بلا جيش واقتصادها ضعيف، مذكرا بأن عصب الحرب، هو المال “الجيوش تزحف على بطونها”، وقارن بين موريتانيا والمغرب، وقال إن مسايرة موريتانيا للمغرب في هذه الحرب، تماثل مسايرة الشاة للجمل في سيرهما، في حين تعتبر الجزائر دولة قوية، وهو رأي قال الاستاذ محمد يحظيه أنه فاجأ به الحضور، وصدمهم، فرد عليه “بارو عبد الله” قائلا: بأنه سيرد عليه لاحقا، مذكرا بأن موريتانيا والمغرب حلفاء في مواجهة الجزائر.

2- كونهم كانوا ينظرون إلى نظام المختار ولد داداه على أنه نظام ولد من رحم الاستعمار وهو من جاء به رئيسا للبلاد.. وحتي التسمية يرى الاستاذ الوافي  أن الشعب لم يك له دخل فيها وأنه لم تتمخض تلك القرارات عن جمعية تأسيسية تمثل الشعب وتعبر عن اختياراته، ويؤكد أن الإدارة نقلت بشحمها ولحمها من خارج الحدود، بالإضافة إلى أن مدونة قوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية، كانت كلها منقولة حرفيا من قوانين الجمهورية الفرنسية.. وحتى قرار الحرب كان بإملاء خارجي- حسب الاستاذ الوافي.

3- ظهور المغرب والجزائر كلاعبين في الساحة الموريتانية، واكبته نظرة  مهندسي انقلاب العاشر من يوليو الإيجابية عن الجزائر والسلبية اتجاه المغرب.

 فالجزائر بالنسبة لهم، تمثل: التحرر والنموذج التقدمي، سواء على مستوى مساندة حركات التحرر أو من خلال الإصلاحات والتأميم أو بالنسبة لرموز نظامه مثل: بومدين وبوتفليقه… الخ.

في حين كانت المغرب تمثل بالنسبة لهم أهم حليف للنظام في موريتانيا وهو نظام يعارضونه ويرون فيه شريكا في حرب يرونها حربا أهلية ولا أخلاقية وغير عادلة.

ينضاف إلى ذلك تغيير النظام الموريتاني لتحالفاته من الجزائر إلى المغرب، هذا التحالف الذي يؤكد الأستاذان أن موريتانيا استفادت منه في تطوير شؤونها عندما كانت قريبة من الجزائر، وكان سببا في إجهاض كل تغيير عندما تحالفت مع المغرب، بل أدخل البلاد في حرب لا تبقي ولا تذر.

ويؤكد الأستاذان أن المغرب كان شديد التضايق من التقارب الموريتاني الجزائري، وأنه استطاع إنهاء هذا التحالف من خلال قضية الصحراء.

4- عدم احترام الآليات القانونية بالنسبة لضم جزء من الصحراء، ذلك أنه لا يمكن ضم أي جزي من التراب إلى وطن، دون القيام بتعديل في الدستور، وهو ما لم يتم فعله بالنسبة للصحراء.

5- كون موريتانيا هي الحلقة الأضعف في هذا الصراع، جعلها تتحمل أعباء تفوق طاقاتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، فقد كانت الحرب تدار بأموال الصدقات المقدمة إلى موريتانيا من أجل مواجهة آثار الجفاف، كما هوجمت عاصمتها مرتين، وهوجمت كذلك مختلف المدن الموريتانية، مثل: (فصاله، وباسكنو، وأطار، وازويرات، وانواذيبو… الخ)، حيث أصبح الوضع العسكري في غاية السوء، كما توقف تصدير الحديد إلى حد كبير، بفعل استهداف البوليزاريو للسكة الحديدية.

ينضاف إلي ذلك أن موريتانيا دخلت الحرب ولديها فقط ما يقارب الثلاثة آلاف شخص مابين الجيش والحرس والشرطة، ولم تكن مهيأة أصلا لدخول الحرب- حسب الأستاذ أحمد الوافي.

6- دخول موريتانيا كطرف في صراع خارجي بين الجارين وقبولها الدخول في حرب أهلية، ولدت تناقضات قبلية محلية(قبائل الساحل) وسياسية داخل البلاد.

7- وصلت خسائر الجيش الموريتاني ما بين قتيل وجريح وأسير إلى 7000 شخص، أصبحوا خارج الخدمة، وهو رقم كبير بالنسبة لحجم الجيش الموريتاني آنذاك.

8- وجود معارضة قوية لحرب الصحراء، تمثلت في البعثيين والحركة الوطنية الديمقراطية وشخصيات مستقلة كثيرة، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة آثرت الصمت، فلم تؤيد ولم تعارض.

في حين اقتصر تأييد تلك الحرب على “جبهة تحرير الصحراء وضمها إلى موريتانيا” التي شكلت من عدد قليل من الصحراويين وكانت صنيعة للنظام، بالإضافة إلى بعض العاملين في الجهاز الإداري في حزب الشعب، وذلك صونا لمصالحهم ومجاراة للنظام القائم.

9- نظرة جماعة العاشر من يوليو إلى البوليساريو –آنذاك- كحركة ثورية، تناضل ضد الاستعمار وللجزائر كداعم للتحرر في المنطقة، وكانوا ينظرون كذلك إلى ليبيا على أنها تقود ثورة قومية، في مقابل الحلف المحافظ الآخر الذي تمثله المغرب والسعودية والنظام الموريتاني المتحالف معهما.

هذا القاسم المشترك بين البوليساريو من جهة والقوميين في موريتانيا من جهة أخرى، هو ما أدى في نظر الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل إلى تجاهلهم كقوميين لحالة الوحدة القسرية، التي انتهجها المغرب وموريتانيا آنذاك، وفقا لآلية تقسيم كانت في نظره مخجلة ولا إنسانية.

10- بالنسبة لجماعة العاشر من يوليو، أدى تطور الحرب إلى حد وصلت فيه موريتانيا إلى درجة الاستسلام أو الاحتلال، لذا كان لابد من القيام بعمل يجنب البلاد كارثة محققة، بدل الاستسلام لمصير مجهول، ويرون أن الحرب قد أنهكت المجتمع والدولة وأصبحت هناك صعوبات جمة من أجل توفير الوقود للمجهود الحربي، ويرون أن الوضع وصل من السوء درجة دفعت بالأجانب إلى الخروج من ازويرات في فاتح مايو 1977، مما اضطر العمال الموريتانيين إلى أخذ مواقعهم، وسد جميع الثغرات الناتجة عن رحيلهم.

11- ظهور بوادر أطماع خارجية تهدد بقضم أجزاء من الوطن، وتجلى ذلك من خلال المقابلة الشهيرة التي أجرتها مجلة “جون آفريك” مع الرئيس السنغالي “سينغور” أواخر سنة 1977، حيث قال الرئيس السنغالي: إن موريتانيا قد دخلت نفقا مظلما، وفي حالة انهيارها، فإن السنغال معنية بمصير موريتانيا عندما تنهار، خاصة المناطق الجنوبية منها.

كما ظهرت مقالات في صحف فرنسية، من بينها صحيفة “لموند”، تسير في نفس الاتجاه،  فموريتانيا إذن أصبحت مثل: “الرجل المريض”، وكانت ستنهار لولا مبادرة التغيير التي يرى قادة العاشر من يوليو أنهم فطنوا لما كان سيحصل وتحركوا قبل فوات الأوان، لذا أنجزوا المهمة وأوقفوا الحرب وأنقذوا البلاد.

12- القسوة التي تعامل النظام بها مع الناس، حيث كان يتهم كل من يعارض الحرب ويتهمه بالخيانة ويزج به في السجن، بل يفقد عمله أحيانا –وهو ما حصل بالنسبة لمحمد يحظيه ولد ابريد الليل الذي فقد عمله، حيث انتقل للعمل في إحدى شركات البناء- ونفس الشيء بالنسبة لممد ولد أحمد، الذي أقيل من منصبه كمدير لإحدى الثانويات، بسبب محاضرة ألقاها ونعت فيها الحرب بأنها مدمرة وخطيرة، وهي المحاضرة التي تحدثت عنها آنذاك جريدة “لموند” الفرنسية.

كما كان للهجوم المضاد الذي قام به حزب الشعب أثر سيء في نفوس الشعب، فقد استهدفت العائلات والشخصيات المنتمية إلى قبائل صحراوية، وحطمت هذه الغوغائية –كما يراها أحمد الوافي- صورة حزب الشعب بالإضافة إلى الانطباع الذي خلفته “سبلتيف” (وهو الحرس الأهلي الذي كان يتولى الحراسة ليلا في القرى والمدن).

13- (مكرر في المضمون) علي المستوى الخارجي: يري الاستاذ أحمد الوافي أنه بعد خروج موريتانيا من عزلتها الغرب إفريقية،سنة 1969، بفعل اعترف المغرب بموريتانيا، دخل الاشقاء في الشمال(المغرب والجزائر) كلاعبين أساسسين في موريتانيا.. وكانت السيطرة في البداية للشقيقة الجزائر، التي تتمتع آنذاك بوهج الانتصار وبالعنفوان الثوري، الشيء الذي أعطاها ” تأثيرا نسبيا ومفاجئا “، فقد كان دخولها للساحة الموريتانية قويا في الادارة والاقتصاد، تجلي في ظهور حكومة من حملة الشهادات الجامعية لأول مرة، بدلا من المترجمين(آماليز)، كما ظهرت مؤسسات وطنية إلي الوجود: مؤسسات إعلامية وأخري اقتصادية، حيث أنشئ بنك مركزي وظهرت العملة الوطنية بدعم وتأثير جزائري، وتجلي أيضا في قيام البلاد بتأميم شركة الحديد”ميفرما”.

في المقابل يرى الأستاذ أحمد الوافي أن المغرب كان في غاية الانزعاج من تطور العلاقات الموريتانية الجزائرية، لذا بحث عن منفذ قوي يطرد من خلاله هذا النفوذ الجزائري المتنامي، لذا شكل الملف الصحراوي المدخل الطبيعي، فكان التقسيم ب”المشرط” وهو ما أدي إلي أن يتحول الصراع في نظره من حالة سكون نسبي إلي حالة صدام قوية، كانت ضحيته موريتانيا، التي هي في الواقع الحلقة الأضعف، لذا كانت الخسائر الموريتانية فادحة وقاسية وكان الوضع الاقتصادي جد ضعيف، حيث مولت الحرب بالصدقات من دول الخليج ومن المغرب ذاته، بالإضافة إلي استهداف البوليزاريو لقطار المعادن في الشمال، وهو ما شكل ضربة قوية للنشاط المنجمي الحيوي في الشمال.

ويؤكد الأستاذ  أحمد الوافي أنه كان يؤكد خلال إحدي اللقاءات الجهوية لمحدثيه أن الحرب في الصحراء،

ليست مصلحة موريتانية، لعدم قدرتها علي تحمل أعبائها الاقتصادية، فهي تمولها من الصدقات ولا تملك الوسائل المادية التي تمكنها من مواصلتها.

وليست مصلحة لشعوب المنطقة، لأن موريتانيا تمثل جسرا بين العرب والأفارقة ولا يمكن لهذا الجسر أن يستمر والنار تشتعل أسفله، فضلا عن الأضرار التي ستنتقل إلي هذا الجوار الإفريقي انطلاقا من موريتانيا المجاورة له.

وليست فيها مصلحة للأمة، لأن دورها الحضاري كأمة لا تمكن المحافظة عليه في ظل هذه الحرب.

وليست فيها مصلحة عالمية للأهمية الإستراتيجية للمنطقة في تموين السوق الغربي بالحديد، الذي لا يمكن استخراجه إلا في ظل الاستقرار والسلم في المنطقة، ولأنه كذلك يستخرج من مكان مفتوح، تصعب حمايته أثناء الحروب.

الحرب في الصحراء تكشف الحسابات الجهوية والوطنية:

لقد كانت المؤسسة العسكرية مغلقة أمام الكثير من الراغبين في الدخول فيها- حسب جماعة العاشر من يوليو- لذا شكلت حرب الصحراء  فرصة فتحت الأبواب خلالها أمام جميع الراغبين في  الانخراط  في الجيش، سواء أكانوا خريجي كليات عسكرية عربية، مثل الداه ولد الحسين وعبد القادر ولد الناجي، أم كانوا متطوعين بدافع الغيرة على الوطن، كما أنها فتحت الباب أمام الراغبين في تغيير وجهة الدولة وطبيعتها التي كان يري فيها هؤلاء (قادة العاشر من يوليو) أنها كانت مجرد نسخة طبق الأصل للنماذج التي أنشأتها فرنسا في المنطقة، لذا شكلت الحرب فرصتهم الذهبية لكي ينجزوا “الاستقلال من جديد”.

واقع دفع بالبعض إلي التفكير في الدخول في حرب عصابات من أجل تغيير النظام القائم قبل حرب الصحراء، خيار أدي لاحقا إلى الانضمام إلى جبهة البوليساريو، من أجل إنجاز مشروع تحرري في المنطقة، مكرسا ضد الأنظمة القائمة، التي كانوا يرون فيها شكلا من أشكال الاستعمار الجديد.

ويري الاستاذ محمد يحظيه ولد ابريد اليل أنه- رغم قصور رؤية جبهة البوليساريو بالنسبة للعروبة-  إلا أن هناك من الموريتانيين من توجه إليها –رغم أيديولوجيته القومية- لكنها لجهلها بحقيقتهم أودعتهم السجن، حيث مات البعض منهم في سجونها وأطلق لاحقا سراح البعض الآخر، ومن بينهم مناضلين  فاعلين اليوم في حزب الصواب في موريتانيا.

هذا البعد التحرري المتكئ على تحررية الجزائر وليبيا وجبهة البوليساريو ويمينية النظامين: المغربي والموريتاني، أوجد حراكا في المنطقة آنذاك ووحد الجهود لبعض الوقت، لكن الطابع الإيديولوجي للبوليساريو أجهض الفرصة التي أتاحتها الظرفية- حسب الاستاذ محمد يحظيه ولد ابريد اليل.

كما أبانت الحرب في الصحراء عن صبر وجلد العسكريين الموريتانيين، فلم تسجل في صفوفهم أية عملية هروب- رغم الخسائر الفادحة والأذى الشديد الذين تعرضوا لهما، كما أن هذه الحرب رسخت دور الجيش كرائد وحام  لاستقلال البلد ولكيانه.

عملية التحضير للانقلاب وآلية اكتساب العناصر:

لقد اتخذ البعد الشخصي في عملية التحضير واكتساب العناصر ركنا أساسيا، حيث انطلقت الفكرة من مجموعة من التلاميذ المنتمين إلى نفس المدرسة الفكرية تقريبا، وكان لعامل الجهة وللعلاقات الشخصية بعدا هاما في اجتذاب الضباط الذين شكلوا النواة الأولى والأساسية، التي تضافرت مع العناصر المدنية.

فكانت شخصية المرحوم جدو ولد السالك هي عنصر التقاء وتلاقي بين المجموعتين.

فشيخنا ولد محمد لقظف كان له دور في إقناع المرحوم أحمدو ولد عبد الله، كما كان لجدو دورا في تأمين جانب معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع وتعاونه المستمر بالنسبة لتموقع القوات المغربية.

كما تولى أحمد بن أعمر إقناع شقيقه إسماعيل ولد أعمر… وهكذا بالنسبة لبقية العناصر والشخصيات الأخرى.

ويرى الأستاذ أحمد الوافي أنه كان هناك خطان سياسيان في موريتانيا، على ضوئهما تحددت المواقع وتم التحرك.

– الخط النضالي الأول: كان خطا ماركسيا شعبيا، يمتح من الحركة الشيوعية العالمية (الكادحين).

– خط آخر قومي عربي: ينقسم إلى بعثيين وناصريين وشخصيات مستقلة.

فبالنسبة لتيار الكادحين، كان يرفض الانقلابات العسكرية ويفضل الثورة العالمية.

أما التيار القومي فيسعى إلى التغيير بكل الوسائل والسيطرة على مراكز القوة، وهي تجربة عرفت في المشرق وحصلت في المغرب العربي.

ويرى الأستاذ الوافي أن هذا التيار الأخير أثر على مجرى التاريخ الوطني وهو الذي كانت تنتمي إليه حركة العاشر يوليو.

ويعبر عن هذا الواقع من خلال مقولة لـ”هيكل”، مفادها أن التاريخ ليس الذي يمر دون أن يترك أثرا، لكنه الأحداث التي تمر وتترك أثرا، لذا فإنه بالنسبة للوافي وبناء على ما تقدم، فإن التيار القومي هو الذي ترك تاريخا، أما الآخرون فلم يخلفوا تاريخا.

ويروي الأستاذ الوافي أنه خلال الاتصال بالشخصيات السياسية، كلف هو بفاضل ولد الداه وبالمحجوب ولد بيه الذي تجاوب مع العرض بصفته الشخصية، أما بدر الدين وفاضل ولد الداه فرفضا أسلوب التغيير العسكري، وقالا: إنه لا يمثل خيارا بالنسبة لهما، لكنهما تكتما على الموضوع وتعاونا لاحقا عندما نجح الانقلاب.

ويرجع السيد الوافي قبول السيد المحجوب ولد بيه بالعرض إلى جانبه القومي الكامن في شخصيته، رغم انتمائه للحركة الوطنية الديمقراطية، وهو جانب يقول أحمد إنه تعرف عليه عندما تطوع سنة 1968 للقتال في صفوف حركة المقاومة الفلسطينية، فكان المحجوب هو الذي أشرف على ذهابه عندما كان طالبا في دمشق.

ويقول الأستاذ الوافي إنه اتصل أيضا بالميثاقيين، مثل محمد الحسن ولد لبات، بتكليف من سيد أحمد ولد ابنيجاره، لكنه لم يتحمس للموضوع ولم يرفضه نهائيا، وهو نفس الموقف الذي لمسه الوافي لدى عناصر أخرى، لذا تم توقيف الاتصال بهم.

كما اتصل سيد أحمد ولد ابنيجاره بأحمد ولد الزين ضمن آخرين، وقام بجمع أطر البنك المركزي قبل التنفيذ، حيث هيأهم للحدث.

وقد تميزت عملية الاتصال بالأشخاص بالتدرج والحذر والإيماء وجس النبض، كما تميز عمل المجموعة بالطابع الجماعي وبالمبادرات الفردية أو الجماعية أحيانا أخرى.

ويروي الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل أن التحالف الذي كان قائما بين البعثيين والحركة الوطنية الديمقراطية آنذاك، والذي كان مكرسا لرفض الحرب في الصحراء، أن هذا التحالف عزز الثقة بينهم وسهل مهمة الاتصال بهم من طرف البعثيين، حيث اتصل بهم سيد أحمد ولد ابنيجاره وممد ولد أحمد، الذي كان على صلة بهم بفعل هذا التحالف، والتقيا بالسيدين بدر الدين وموسى فال، كل على انفراد بالنسبة لسيد أحمد وبدر الدين، وجماعيا بالنسبة لممد مع بدر الدين وموسى فال، لكن الحركة الوطنية الديمقراطية رفضت المشاركة في الانقلاب.

أما المحجوب ولد بيه فقد كان قبوله الانخراط في التحضير للانقلاب ذا بعد شخصي  .

ويرى الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل أنه رغم أن الانقلابات العسكرية شوهتها انقلابات الخمسينات والستينات وانقلاب اتشيلي سنة 1973 وانقلابات عقداء اليونان، إلا أنه يرى أن الانقلاب العسكري الذي حدث في البرتغال، كان له وقع مختلف، حيث جاء بالديمقراطية وانقلب على الديكتاتورية.

وأثناء عملية التحضير للانقلاب طرحت فكرتان حول طبيعته وكيفيته:

1- هل يكون دمويا وميزة هذا الأسلوب هي: قطع الصلة بالماضي ولكي لا تطمح  أي مجموعة أخرى في السلطة من جديد.

2- أن يكون سلميا وتنبني هذه الخلفية على: ضعف بنية المجتمع وتكوينه الداخلي الهش، لذا فإن العنف قد يدفع بالبلاد نحو منزلق يصعب التحكم فيه، بفعل النزعة القبلية والفئوية.

وفي الأخير تم تبني الخيار السلمي، لذا تقرر أن يتم الانقلاب خلال اجتماع المكتب السياسي لحزب الشعب، لأن حراسته تكون ضعيفة، وكان توقيت جلسته مناسبا، حيث ستعقد في مقر حزب الشعب وليس في القصر الرئاسي.

ومن أجل تسهيل عملية التنفيذ، تم إتباع الخطوات التالية:

أولا- القيام بتحويلات على مستوى المناطق العسكرية المهمة، بحيث يتولى القيادة عضو من الجماعة أو يكون نائبه منتم لها (وهذه هي خطة الانقلاب العملية).

ثانيا- الاتصال بالمغرب وبالجزائر وليبيا لضمان نجاح الانقلاب.

ثالثا- تجنيد عناصر شعبية (أصحاب حوانيت وناس عاديين) للقيام بتعبئة شعبية داخل صفوف الناس، وتم إلقاء منشورات سرية تعري الوضع وتنتقد النظام.

وتمثلت الخطوة الأولى في: التحضير للعمل العسكري في: تعيين المصطفى ولد محمد السالك قبل شهرين أو ثلاثة من التنفيذ قائدا لأركان الجيش، وهو الذي اقترح التحويلات على الرئيس المختار ووافق عليها.. لذا عين جدو ولد السالك على منطقة “آوسرد”، التي كان بها نصف الجيش، وكان مساعده جوب مصطفى وهو من جماعة جدو.

وفي أطار عين مولاي ولد بوخريص، وفي النعمة عين أحمد ولد بوسيف، لكن نائبه كان من الجماعة وهو محمد فال ولد لمرابط.

وفي انواذيبو كان نائب قائد المنطقة العسكرية، هو ولد الزين الذي كان منتم للجماعة، وفي ازويرات تم تعيين محمد خونا ولد هيداله.

أما بالنسبة للمنطقة العسكرية السادسة بانواكشوط فقد تم تعيين أحمدو ولد عبد الله قائدا لها، وهي الجهة التي كانت ستوكل إليها مهمة التنفيذ، بإشراف المصطفى ولد محمد السالك وأحمدو ولد عبد الله.

– أما الخطوة الثانية المتعلقة بالاتصال بالمغرب والجزائر وليبيا والبوليساريو فتمت على النحو التالي:

1- بالنسبة للمغرب كان الهدف من الاتصال هو: إقناعه بأن النظام الذي يتحالف معه لا يصلح لأن يكون شريكا يعتمد عليه، لأنه نظام منهار، وكان هذا الاتصال يهدف أيضا إلى أن لا تخرج موريتانيا من الحرب مع البوليساريو لتدخل في حرب أخرى مع المغرب، خاصة أنه يوجد حوالي ثلاثين ألف جندي مغربي داخل الأراضي الموريتانية، بالإضافة إلى الخلفية التاريخية التي كانت تشكل هاجسا بالنسبة لقادة العاشر من يوليو، لذا كان اتصالهم بالمغرب هو من أجل التأكيد له على أن عملية التغيير ليست معادية له.

ومن أجل طمأنته أكثر، أعطيت الحرية للجماعة التقليدية برئاسة شيخنا ولد محمد لغظف وعضوية الحضرامي ولد خطري بأن تتصل بالمغرب من أجل التأكيد له على أن القبائل الموريتانية موالية للمغرب وليست معادية له، وهو ما أنجزه الرجلان، حيث سافرا إلى المغرب وقاما بالاتصالات المطلوبة هناك، لكن هذه الرسالة كانت تتم بالإيماءات والإشارات وليست بالتصريح.

أما بالنسبة لاتصال الأستاذ أحمد الوافي بالمغرب، فقد تم عن طريق المرحوم عبد الرحيم بوعبيد: (زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي)، الذي كان وقتها في المعارضة وتم الاتصال به عن طريق الأستاذ الشيخ ولد باها، الذي كان محاميا متدربا بالمغرب، واستمرت اللقاءات بعبد الرحيم بوعبيد حتى فجر العاشر من يوليو 1978 عندما أخبروه بحصول تغيير في موريتانيا، مؤكدين أن التغيير ليس ضد المغرب، وأنه سينهي البوليساريو، بل قد يشكل بداية حل للمشكل الصحراوي برمته.

ويؤكد أحمد الوافي أنهم قاموا بهذا الجهد من أجل جذب المغرب إلى جانب التغيير، وهو ما يرى أنهم نجحوا فيه إلى حد كبير بفعل هذه المبادرة، التي يرى أنها مشروعة -رغم شعور المغرب لاحقا أن القادة الجدد قد خدعوه.

ويرى أن قادة العاشر من يوليو استنتجوا لاحقا أن عبد الرحيم بوعبيد لم يوصل المعلومات مكتملة إلى الملك الحسن الثاني، إلا يوم الانقلاب وأرجعوا ذلك إلى أنه قد يكون طلب اللقاء ولم يتم له ذلك من قبل.

ويقول الأستاذ أحمد الوافي أنه شرح دوافع الانقلاب خلال مؤتمر الاتحاد الاشتراكي الذي دعي إليه هو ومجموعة أخرى في أغسطس 1978 (أي بعد شهر من الانقلاب).

2- أما بالنسبة للجزائر فقد تم الاتصال بها عن طريق أحمد باب ولد أحمد مسكه، الذي كان عضوا قياديا في جبهة البوليساريو، حيث سهل لهم الاتصال بالجزائريين، وتم ذلك الاتصال عن طريق مبعوث جماعة العاشر من يوليو، وهو السيد المحجوب ولد بيه، الذي كان طالبا وقتها بفرنسا يحضر للدكتورا، حيث خاطبه في الموضوع السيدين أحمد الوافي وأحمد باب مسكه، وحملاه برسالة إلى بومدين، الذي كان مريضا بجزيرة “بريوني” اليوغسلافية، وعندما جاءه المحجوب ولد بيه وخاطبه في الموضوع، رد عليه بومدين قائلا: إن المغاربة لن يتدخلوا لأنهم منهكين، أما نحن (الجزائر) فلن نتدخل فاطمئنوا ولا تخافوا.

خلال هذا اللقاء الذي كان مشجعا وحذرا في نفس الوقت، طمأن الانقلابيون الجزائر، وتم هذا اللقاء عن طريق مدير المخابرات العسكرية الجزائرية السيد “قصدي مرباح”، الذي كان وقتها مسؤولا عن ملف الصحراء.

3- أما بالنسبة لليبيا فقد كان الدافع الأساسي للاتصال بها يتمثل في ضرورة الإسراع في توقيف إطلاق النار بعد الانقلاب، لأنه كان لها تأثيرا قويا على البوليساريو، فهي الممول الرئيس لها والداعم الأساسي لها. فكانت عملية الاتصال بليبيا تتم عن طريق سفيرها في انواكشوط الأستاذ “المقرحي”، الذي كان يتصل به الأستاذ الوافي، وأثناء اللقاء يقوم السفير بتشغيل الراديو لإحداث خرخشة من أجل التشويش على عملية التسجيل إذا كانت تتم. ويرى الأستاذ أحمد الوافي أن الهدف من الاتصال بليبيا قد تحقق فور نجاح عملية الإطاحة بالنظام، وهو وقف إطلاق النار.

4- وبالنسبة للبوليساريو فقد كانت علاقتهم بها تتم عن طريق القيادي بها: أحمد باب ولد أحمد مسكه.

وبخصوص فرنسا فقد تميزت العلاقة بها بالخوف والحذر، لأنها كانت تسيطر على القوات الجوية وعلى سلاح الإشارة (الاتصالات العسكرية)، لذا استطاعوا إخفاء عملية التحضير برمتها عنها، باستثناء حالة واحدة كان خلالها المختار ولد السالك في اتصال بأخيه جدو ولد السالك  يوم 9 يوليو (أي قبل يوم من تنفيذ الانقلاب)، حيث خاطبه الضابط الفرنسي ويدعى “لون جانه”- الذي كان مشرفا على اتصالات الجيش الموريتاني- فقد خاطب المختار ولد السالك وطلب منه تحديد مكانه، وعلل له ذلك بوضوح صوته، فرد عليه المختار ولد السالك قائلا: الأماكن لا تحدد في زمن الحرب، فاسأل قيادتي وقطع الاتصال.

لحظة الحسم: وصعوبة تنفيذ الانقلاب:

رغم الواقع المأساوي الذي عاشه البلد وحالة الانهيار الشاملة، إلا أن الأصوات الرافضة للحرب كانت خافتة وغطى عليها ضجيج الحرب ودعاية النظام.

ومن أجل خلق مناخ يتسم برد الفعل ويساعد على نجاح العملية، يروي الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل أنه قام البعثيون آنذاك بتوزيع منشور سري في شهر مايو 1978، كسر الصمت، ودشن سلسلة منشورات أخري بعد أن اختفت المنشورات السرية، منذ سنة 1975، عندما حصل تفاهم بين الكادحين ونظام المختار ولد داداه، فكان منشور البعثيين في مايو بمثابة الشرارة الأولى لانطلاقة سيل من المنشورات المنددة بما آلت إليه البلاد، ومعبرة عن المخاطر التي تواجهها، فكانت قسوة الحرب وتأثيرها البالغين سببا كافيا لتعبئة الناس ضد النظام وضد الحرب.

وكانت الدعوات المتكررة التي يوجهها معاوية ولد سيد أحمد الطايع لجدو ولد السالك بضرورة تعجيل التنفيذ، سببا كافيا بالدخول الفوري في عملية التنفيذ، التي اكتملت عناصرها بالتحويلات التي قام بها قائد الأركان: المصطفى ولد محمد السالك لقادة المناطق العسكرية، حيث أصبحت المناطق الأساسية إما تحت سيطرة الانقلابيين مباشرة، بتولي أحد عناصرهم الفعالة لقيادتها أو بانتماء نائبه لهم.

ورغم اتفاقهم على خطة التنفيذ وتوقيتها، إلا أن التنفيذ العملي أوكل إلى قائد الأركان المصطفى ولد محمد السالك ولقائد المنطقة العسكرية بنواكشوط: أحمدو ولد عبد الله.

وتم تحديد يوم السبت الثامن من يوليو للقيام بالانقلاب ضد الرئيس المختار وتقرر أن يتم ذلك خلال اجتماع للمكتب السياسي لحزب الشعب بمقر الحزب، حيث الحراسة ضعيفة وهو ما سيسهل عملية اعتقال الرئيس بسهولة ويسر.

لذا طلبوا من شيخنا ولد محمد لقظف أن يعمل على إطالة الجلسة بكل السبل حتى يتمكنوا من التنفيذ، وكان مقررا أن تنتهي أعمال المكتب السياسي الساعة الخامسة مساء، إلا أن شيخنا ولد محمد لقظف قام بالمهمة على أحسن وجه، ونجح  في استمرار الجلسة، حتى الساعة الواحدة صباحا، لكن الانقلاب لم يتم بسبب خلاف طرأ بين قائد الأركان وقائد المنطقة العسكرية، مما أدى إلى تأجيل التنفيذ.

فقد حدث هذا الخلاف عندما طلب أحمدو ولد عبد الله من المصطفى ولد محمد السالك (قائد الأركان) تقديم أوامر التنفيذ مكتوبة، فرد عليه المصطفى بأنه لن يفعل ذلك، لأن المسألة مبنية على الثقة، لذا خرج أحمدو ولد عبد الله مساء نفس اليوم من العاصمة وبقي خارجها طيلة عطلة نهاية الأسبوع.

وقد نزلت عملية التأجيل على الجميع كالصاعقة، وانهارت معنوياتهم وارتاب شيخنا ولم يدر حقيقة ما جرى.

وعند ما وُضع نائب قائد المنطقة العسكرية: ولد الصبار في الصورة، وطلب منه ضرورة التنفيذ لم يرفض ولم ينفذ.

ويروي الأستاذ أحمد الوافي أنه في صباح اليوم الموالي قام بمبادرة بالاتفاق مع سيد أحمد ولد ابنيجاره، تمثلت في كتابة رسالة موجهة إلى قائد المنطقة العسكرية في أطار السيد مولاي ولد بوخريص، وبعث بها إليه مع شخص يعرفه من سكان الحوض في سيارة مؤجرة، فوجد مولاي ولد بوخريص يتهيأ للصلاة، فسلمها إليه فوضعها مولاي في جيبه ورد عليه بأن الرسالة وصلت وانصرف الرسول عائدا إلى انواكشوط.

وتتضمن الرسالة تأكيدا من الجماعة على الإصرار على التنفيذ لاحقا، رغم وجود صعوبات حالت بينهم وبين التنفيذ في الوقت المحدد.

أما بالنسبة لجدو ولد السالك فقد انطلق من “آوسرد” يوم السبت 08 يوليو متوجها إلى الجنوب بحجة مطاردة مجموعة من البوليساريو قال إنها تجاوزت السكة الحديدية جنوبا، وكان ذلك سببا كافيا لانزعاج السلطات في نواكشوط، خوفا من هجوم جديد على نواكشوط يأتي بعد هجومين سابقين قامت بهما البوليساريو على العاصمة.

لذا تمكن جدو من التغطية على تحركه من “آوسرد” باتجاه نواكشوط واستطاع طمأنة السلطة حول طبيعة تحركه.

وقد أعطيت الأوامر للطائرة العسكرية الفرنسية “ابريغا آتلانتيك”، التي انطلقت من داكار وقامت بعملية المراقبة، وبعد أن قامت بعملية الاستطلاع، أخبرت أنها لم تر شيئا، لكن جدو أصر على أنه وجد آثارهم فواصل المسير.

وفي الساعة الثالثة ظهر يوم الأحد الموالي وصل إلى انواكشوط عسكري يدعى سيدي محمد، حاملا رسالة من جدو ولد السالك إلى الجماعة تسلمها سيد أحمد ولد ابنيجاره، تتضمن تلك الرسالة ثلاث خيارات، هي:

1- ضرورة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

2- وإلا فليخلوا بينه وبين انواكشوط.

3- استعداده لمواجهة الجميع وإصراره على دخول انواكشوط بالقوة.

وعندها ارتفعت المعنويات التي كانت قد وصلت إلى درجة الصفر، وبدأ التحرك الفعال في نواكشوط بقيادة المصطفى وبالإعتماد المؤثر علي المختار ولد السالك الذي حول إلى انواكشوط من قبل لتنفيذ خطة اعتقال الرئيس المختار ولد داداه.

طريقة التنفيذ كما يرويها الضابط: المختار ولد السالك:

عندما وصلت إلى ازويرات قادما من معركة عسكرية في “أم ادريكه” نهاية شهر يونيو أو بداية شهر يوليو، أبلغت بتحويلي إلى انواكشوط، وبالتحديد إلى المنطقة العسكرية السادسة، وبعد وصولي بيوم واحد تناولت العشاء في منزل قائد الأركان: المصطفى ولد محمد السالك، الذي تربطني به علاقات متعددة وكان بالمنزل جدو ولد السالك وأحمدو ولد عبد الله ومحمد خونا ولد هيداله،

وبعد العشاء أخذني جدو وأحمدو ولد عبد الله جانبا وأخبراني بأني حولت إلى انواكشوط لهدف محدد هو: اعتقال الرئيس، وأن هناك وحدات في المنطقة العسكرية السادسة، ستوضع تحت تصرفي لإنجاز المهمة، وسيسلمها لي أحمدو ولد عبد الله لاحقا.

فباشرت بالتهييء لمهمتي، لكنني لم أرتح “لمجريات الأمور”، دون أن أمتلك أسبابا ملموسة لهذا الشعور.

وقبل التنفيذ -يقول المختار ولد السالك- استلمت الوحدات وقمت بتجهيزها ووضعتها عند منطقة البث الإذاعي غرب انواكشوط وبقيت هناك مدة أيام.

وكانت الخطة تقضي بأن يعتقل الرئيس نهارا أثناء اجتماع المكتب السياسي لحزب الشعب، وعندما اتصلت بأحمدو أطلب منه الوحدات، رد علي بأنه بعث في طلبها من “اجريده” وأنهم سيلتحقون بي، كما طلب مني تقديم الخطة كتابيا، فكتبتها وسلمتها له يدا بيد، فأخبرني بأن الوحدات قد وصلت وأنها موجودة بالمعرض وسيسلمها لي لاحقا وبسرعة.

ويواصل المختار ولد السالك روايته للقصة قائلا: عند الساعة الثانية عشرة زوالا أتيته فأخبرني بأنني يجب أن أنتظر حتى المساء، وبعد عودتنا من المقيل دخلت عليه مكتبه بمجرد دخوله فيه وقلت له: إن اجتماع الرئيس بالمكتب السياسي سينتهي ما لم نبادر بالتحرك فورا، فرد علي بأنه ذاهب إلى قائد الأركان الذي طلبه، ولم يعد إلى مكتبه إلا الساعة السادسة مساء وعندها دخلت عليه وسألته ما الأمر؟

فرد علي قائلا: التنفيذ قد أجل، فقلت له: أيمكن تأجيل عمل كهذا؟ فالمنطقة العسكرية الأولى (التي يقودها جدو ولد السالك) قد تحركت من قواعدها منذ 48 ساعة باتجاه العاصمة وعملية وصولها ورجوعها هي عملية ملفتة للانتباه، بالإضافة إلى خطورة اكتشاف الأمر، وسألته من أجَّل التنفيذ؟ فرد قائلا: إن قائد الأركان هو من قام بالتأجيل، فلم أرتح لما حصل وقلت له إن هذا الأسلوب خطير الآن، وستكون له أخطار تاريخية وخرجت من عنده، فتبعني وأعطاني جهاز اتصال، وقال لي هذا للاتصال بجدو، وفي تلك اللحظة قام أحمدو بالاتصال بجدو وأخبره -بأسلوب مموه- بأن العملية قد أجلت، فسأله جدو من أجلها؟ فرد عليه أحمدو قائلا: لقد ارتأينا تأجيلها، فرد عليه جدو بأنه هو شخصيا لن يؤجلها وانتهى اتصالهما.

وفي تلك اللحظة قام أحمدو باستدعاء الوحدات العسكرية المتواجدة بالمعرض والتي كان من المقرر أن يسلمها لي وأدخلها في المنطقة العسكرية السادسة ونادى على قائد هذه الوحدات وهو الملازم محمد سعيد ولد أحمد ولد إبراهيم، وشدد عليه بأنه يجب أن لا تتحرك تلك الوحدات إلا بأمر منه.

وقد كان هذا الملازم صديقا مقربا لي وكان على علم بالانقلاب –لكنني لا أدري هل كان على علم بأن أحمدو شريكا فيه أم لا؟  فطلبت منه أن يتحرك معي أو أن يعطيني وحداته، فرد علي بأنه لا يستطيع فعل أي منهما.

فخرجت من عنده وكان الظلام قد حل، وكنت مصمما على أن لا أسلم الوحدات التي عندي، مهما كان الثمن، فاتجهت إلى منزل المصطفى ولد محمد السالك وعندما دخلت عليه وجدت عنده مجموعة من الضباط تتألف من ثلاثة أو أربعة عناصر، كان من بينهم مولاي هاشم وجبريل ولد عبد الله، فعقدنا اجتماعا مستعجلا وسألته لماذا تم التأجيل؟ فرد علي المصطفى بأنه هو شخصيا لم يؤجل التنفيذ، فقلت له لقد بات التأجيل مستحيلا، لأن المنطقة العسكرية الأولى في طريقها إلى انواكشوط وهناك استحالة أن تأتي وتعود هكذا دون القيام بأي عمل، كما أننا نخشى أن يتسرب الخبر إلى جماعة الرئيس وبالتالي فإن عملية التأجيل فيها مخاطر كبيرة، لذا لن نقبل التأجيل لأنه لم يعد ممكنا. فتساءلنا ما العمل؟ فأجبتهم بأن اعتقال “الشايب” (الرئيس المختار) أتكفل به أنا شخصيا، فسأل المصطفى هل لديك من القوات ما يمكنك من اعتقاله؟ فأجبته بنعم، فقال لي: إذن القضية منتهية. وسألني السؤال الذي يطرح عادة على الضابط عندما يكلف بمهمة: ماذا ينقصك؟ فقلت له ينقصني شخص لديه خبرة بالقصر، فرد مولاي هاشم قائلا: ها أندا أعرف المكان جيدا فقلت له: موعدنا منزلك (منزل مولاي هاشم) الساعة التاسعة مساء يوم غد وتفرقنا لكي لا ينكشف أمرنا، وخرجت وصرت أتنقل بين وحداتي في محطة البث وبين المطار، وعند الساعة العاشرة ليلا طلبني المصطفى ولد محمد السالك، وعندما أتيته أخبرني أنه وصلته أنباء تفيد بوجود طائرتين مغربيتين بمطار انواذيبو لم تعرف حقيقتهما بعد، لذا يجب أن نأخذ حذرنا، لكن تبين لاحقا أنهما تحملان فواكه أو سمك فقط.

خرجت من عنده وبدأت أحضر وحداتي للمهمة ولم أنم تلك الليلة ولا اليوم الموالي الذي وصل فيه الملازم سيدي محمد ولد الشيخ أحمد مبعوثا من عند جدو ولد السالك، محملا برسالة إلى المصطفى وأحمدو، تتضمن ثلاث اقتراحات للتنفيذ، لكن المبعوث وجدنا قد اتفقنا على الخطة البديلة.

أما أحمدو ولد عبد الله فقد توجه بعد حديثه معي في مكتبه إلى المذرذرة حيث قضى عطلة نهاية الأسبوع مع حاكمها السيد يحي ولد محمد ولد امحمد.

وقد أبلغني رسول جدو أنه يريد الحديث معي، وطلب مني أن أتصل به مساء من خلال جهاز الاتصال الذي حمله إلي سيدي محمد هذا، وطلب مني أن تكون الأسماء مستعارة، من خلال “أزوان”.

وفي المساء توجهت إلى سيدي محمد ولد الشيخ أحمد وأعطاني جهاز الاتصال الذي أرسل لي جدو فتوجهت إلى منطقة غرب المستشفى الوطني وخاطبت جدو باسم مستعار هو “الفائز”، فأجابني باسم مستعار هو “الحر”، فأخبرته بأن الأحوال عادية وأن الأمور تجري بشكل طبيعي وقلت له: “إن ذلك الشيء الموجود عند الخيام سيتم بشكل طبيعي”.

وعند الساعة التاسعة ذهبت إلى منزل مولاي هاشم -حسب الاتفاق- فلم أجده في منزله، وكررت التردد على المنزل مرات ومرات في الساعة العاشرة والحادية عشرة ومنتصف الليل والواحدة صباحا فلم أجده، فعندها توجهت إلى قيادة الدرك حيث يسكن محمد محمود ولد الديه وأيقظته وأخبرته بأن تلك الليلة هي ليلة التنفيذ وأخبرته بأنني لم أجد مولاي هاشم، لذا طلبت منه أن يذهب معي، فرد على الفور بأنه مستعد وقام بلبس ثيابه العسكرية، فأخبرته بأننا لا نرغب في مواجهة عسكرية مع الدرك الموجودين بالقصر، وقلت له بأنني لهذا السبب قد جئته لكي يذهب معي، فسألني هل تريد أن أذهب معك حالا؟ فأجبته بأن الوقت لا زال مبكرا وخرجت من عنده وترددت على منزل مولاي هاشم مرات عديدة، لكنني وجدته في منزله عند الساعة الرابعة صباحا، فأشعلت عليه الضوء ووجدته صاحيا وخاطبني فورا هذا فلان؟ فقلت له: نعم، لكن هذه ليست نومة الأبطال الذين ينوون القيام بانقلاب، فقال لي: تفضل واجلس، فقلت له لقد حانت ساعة التنفيذ ولم يعد لدينا وقتا نضيعه، فلبس ثيابه العسكرية وخرج معي وتوجهنا إلى الوحدات التابعة لي في منطقة البث الإذاعي، وأعطيت لكل واحد منهم مهمته بوضوح وحددت لكل واحد منهم الجهة التي يجب أن يتوجه إليها من القصر، وأخبرتهم بحقيقة الموقف، وقلت لهم: إن الجيش قد قرر الاستيلاء على السلطة وأنهم كوحدة قد أسندت إليهم مهمة اعتقال الرئيس، حينها رد علي أحد الجنود قائلا: هذا الأمر غير واضح، فقلت له ابق هنا وأخذت مساعده مكانه.

فأخذت المدرعات واصطحبتها معي لسد الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي وكانت معي مدفعية ثقيلة وحوالي أربعمائة عنصر تقريبا.

وأخذت معي كذلك 13 أو 14 عنصر مختارين، يحمل كل واحد منهم رشاشا خفيفا وأعطيتهم الأوامر بأن يفعلوا مثلما أفعل، فإذا مشيت يمشون وإذا جلست يفعلوا مثل ذلك، وعند وصولنا إلى القصر الرئاسي قام ولد بوكي –وهو خبير في اللاسلكي- بمهمة قطع الاتصالات الدولية عن القصر، لكي لا يتمكن الرئيس من الاتصال بالمغرب.

وكانت معي كذلك ثلاث أو أربع سيارات، وعند وصولنا إلى الباب، نزل مولاي هاشم وخاطب ضابط الصف الذي كان يتولى قيادة المجموعة قائلا: افتح الباب، فرد عليه ضابط الصف بقوله: أهذا أنت يا مولاي هاشم لابسا زيك العسكري في هذا الوقت؟ فرد عليه مولاي هاشم قائلا: افتح، هناك حركة، فرد عليه قائد المجموعة: لا لن أفتح.

فعندها قفزت من السيارة ووضعت خزان الذخيرة في البندقية وقلت له نحن لم نأت لنستشيرك فيما سنفعل وأمرته بأن يفتح الباب وإلا فإنه سيموت، فصار يحملق فيَّ لبعض الوقت، عندها تدخل مساعده قائلا: “مون آدجدانه شيف سأفتح” فرد عليه ضابط الصف قائلا: افتح، وعندها اندفعنا جميعا نركض باتجاه منزل الرئيس، وفي الطريق اصطدمنا بأحد الحراس الذي فوجئ بنا ونحن نركض باتجاهه فأمرنا بالوقوف وإلا فإنه سيطلق النار علينا، فتوقفت وتجاوزني الجنود المصاحبين لي قليلا وأحاطوا بي، لكنني بقيت في مواجهته وصوبوا بنادقهم نحوه وقالوا له إياك أن تطلق النار وإلا فإنك ستموت.

وكان هناك ضوء يفصل بيننا وكلانا كان يرى الآخر بوضوح، فقلت له: إنني لن أتوقف، فلتفعل ما بدا لك، وعندما صرت تحت الضوء، لاحظ أنني ضابط فقال لي: أنا لم أعرفك ومد إلي بندقيته فقلت له ألست عسكريا؟ ألست دركيا؟ قال نعم، فقلت له إذن سر مع زملائك وسألته عمن معه، فأجاب: معي أربعة حراس، فقلت له ناد عليهم، فحضروا كلهم وأمرتهم بالذهاب مع زملائهم، وعندها رجعت إلى مولاي هاشم فوجدته لا زال بالباب وسألته ماذا تفعل هنا؟ فرد علي بأنه يعمل على تهدئة الوضع، فقلت له دعك من هذا كله، وأخذت بيده وسرنا باتجاه منزل الرئيس، واصطحبنا العسكريين معنا، فدق مولاي هاشم باب منزل الرئيس، ففتح لنا دركيا الباب وسأله مولاي هاشم، هل الرئيس لا زال موجودا هنا؟ فأجاب الدركي بنعم، فدخلنا وأشعل مولاي هاشم الضوء فصعدنا السلم، وأثناء صعودنا انطفأ الضوء، فتراجع مولاي هاشم، فسألته مابك؟ فرد بأنه يريد إشعال الضوء، لكنه اشتعل من جديد خلال حديثنا فوجدني أبتسم، فقال لي ماذا يضحكك؟ فقلت له سر بنا، وعندها أخبرني أن للرئيس غرفتي نوم، ففتحنا الأولى فلم نجد فيها أحدا، وفتحنا الثانية فوجدنا بها آثار شخص كان موجودا لكن الغرفة فارغة، فشاهدنا ضوءا من خلال زجاج لأحد الأبواب، عرفنا لاحقا أنه المرحاض، فقمنا بدق الباب، فلم يجبنا أحد في المرة الأولى، وفي المرة الثانية قال لنا نعم وهو يخرج، وأتبعها بكلمة من هناك؟ وكان حديثه كله بالفرنسية، قدمنا له التحية وقلنا له: “إن الجيش قد نزع منك الثقة”، فنظر للحظات، وأعطيته فرصة لردود أفعاله، وعندها خاطبته قائلا: السيد الرئيس سنذهب وإذا كنتم تريدون أخذ شيء من الغرفة فلتأخذوه، فنزع نعلي الحمام وأخذ نعلا تقليديا مكانهما، وأخذ لثاما من “توبيت” كان على السرير وكان يلبس دراعة خضراء من “الشكه” وقميصا أبيض، كما أنه كان رابط الجأش، وسرنا وراءه باحترام.

وعند وصولنا إلى سيارة القيادة التي كانت عندي –وهي من نوع لاندروفير مكشوفة- فتحت له باب المقعد الأمامي وجلست خلفه، عندها اتصلت بالقيادة وقلت لها إنهم يجب أن يتحركوا وأخبرتهم بأنني أخذت “الطرد الكبير”، فردوا علي: بهذه السرعة؟! فقلت: نعم لقد تم كل شيء.

فقد استغرقت العملية كلها ثمان دقائق فقط، وأثناء مرورنا أمام قيادة الدرك، كان هناك مطر خفيف فنزلت علي قطرة من الماء لم أدر مصدرها، فخفت أن يكون الرجل قد تأثر من الوضعية التي هو فيها فوضعت يدي على كتفه وقلت له: السيد الرئيس اطمئنوا فلن تجدوا سوى الخير إن شاء الله، فرد علي بالفرنسية بكلام، لم أفهم منه سوى كلمة: الله.

وقد تبعتني الوحدات العسكرية التابعة لي، وعندما وصلنا إلى الهندسة العسكرية فتحنا له مكتب قائد الهندسة العسكرية: الرائد “آتيي همات” الذي وجدناه في انتظارنا فقدمت للرئيس مقعدا وثيرا، فجلس عليه وبعد فترة وجيزة طلبتني القيادة العامة، وقبل خروجي أخبرته بأنني ذاهب، وأنه إذا كانت لديه طلبات فليقلها لي، لأنه في غيابي قد لا تلبى مطالبه، فرد علي بالفرنسية: إنني ضيف غير ثقيل!”.

وأتذكر أنني عندما وصلت إلى الهندسة العسكرية اتصلت بجدو فوجدته قد وصل إلى منطقة “آزفال” فقلت له: إن كل شيء قد انتهى.

وعندما وصلت إلى القيادة العامة وجدت الضابط الفرنسي الذي خاطبني البارحة أثناء حديثي مع جدو، -والذي كان يشغل مساعد قائد أركان للعمليات- والذي طلب مني تحديد مكاني، بحجة أنه يسمعني بوضوح وكنت قد قلت له: إنني أقف على مكان مرتفع، لذا فأنت تسمعني بوضوح، فرد علي قائلا: حدد لي موقعك، فقلت له المواقع لا تحدد أثناء الحرب، لكن اسأل قيادتي ستحدد لك مكاني، ففطن أن في الأمر شيئا ما.

وعندما وجدته في الممر قلت له السيد الرئيس صباح الخير، هل أنت بخير؟

فرد علي قائلا: من يسأل عن حاله اليوم هم أنتم، وقال لي: انتظر حتى أقول لك شيئا، فقلت له تفضل، فقال لي: أتتذكر مقيلنا في ازويرات، فقلت له: نعم، فقال لي: يومها عرفت أنك رجل خطير، فقلت له هذا كلام تجاوزته الأحداث، ودخلت على قائد الأركان المصطفى في مكتبه فوجدت أغلب الجماعة كانوا في مهام خارج القيادة، ولما رجعت إلى الهندسة العسكرية توجهت إلى الرئيس، وطلبت منه -بعد أن صلى الصبح- التوجه إلى منزل مجاور وحملته في السيارة بنفس الطريقة التي خرجنا بها من القصر الرئاسي ووضعته فيه.

وعندما وصل جدو إلى انواكشوط حوالي الساعة الحادية عشر صباحا ذهبت إليه في القيادة وسلمت عليه.

استكمال السيطرة، ووضع اللمسات الأخيرة على تشكيلة اللجنة والحكومة

أثناء القيام بعملية السيطرة وترتيب الأوضاع بعد اعتقال الرئيس، اتصل قائد الأركان المصطفى ولد محمد السالك بمدير الأمن آنذاك السيد يحي ولد عبدي، ليطلب منه إعطاء الأوامر لقوات الأمن، لكي تضطلع بمهمتها، لكنه وجده غائبا، وكان نائبه المفوض “لي” لاحظ أن هاتف المدير يرن باستمرار في غيابه، فأخذه فإذا بالمصطفى ولد محمد السالك على الخط، وكانت بينهما معرفة سابقة عندما كان المصطفى واليا على لبراكنه والمفوض “لي” يعمل تحت إمرته، فأخبره بأن المدير غير موجود، فأمره المصطفى بإعطاء الأوامر المطلوبة، وهو ما قام به على الفور، حيث أصدر أوامره لقوات الأمن بتنفيذ ما طلب منه، فكان غياب المدير فرصة ليصبح نائبه بالصدفة عضوا في اللجنة العسكرية.

ويروي الأستاذ أحمد الوافي أنه عند الخامسة صباحا اتصل به سيد أحمد ولد ابنيجاره وأخبره بأن كل شيء قد أنجز، وأمره بالتوجه إلى الإذاعة لإذاعة البيان.

فتوجه إليها صحبة مولاي هاشم فوجدها موصدة الأبواب، فبحثوا عن شخص يفتحها لهم، فقبل أحد الضباط بالقيام بفتحها عن طريق تكسير الأبواب، لكنهم لم يعرفوا طريقة تشغيلها، فبعثوا في طلب الحرسي “مَمَيْ” الذي كان يتولى مسؤولية حراسة الإذاعة، بالإضافة إلي الفرقة الموسيقية التابعة للحرس التي كان “مَمَيْ” أيضا هو الرجل الثاني فيها.

وعندما حضر “مَمَيْ” أخذ لهم الأشرطة العسكرية، فكان أول شريط أذيع هو: “النشيد الفرنسي”، دون معرفة منهم بحقيقته.

وبعد ذلك أذيع البيان بالعربية بصوت خطري ولد جدو الذي كان آنذاك ناطقا باسم الحكومة، وتلاه بالفرنسية محمد محمود ولد الديه.

وقد تضمن البيان ثلاث نقاط، تعهد القادة الجدد بتنفيذها، وهي:

1- إيقاف الحرب.

2- إصلاح الوضع الاقتصادي.

3- وضع أسس لديمقراطية سليمة.

وحوالي الساعة التاسعة صباحا فتح المهندس إسماعيل ولد أعمر قاعة الاجتماعات بمكتبه بشركة اسنيم في انواكشوط، وتوافد إلى المكان قادة الانقلاب المدنيين وصار كل منهم يستدعي شخصيات أخرى يتوقع أنها مساندة، وهكذا توافدت الأطر المساندة والمستبشرة بالتغيير، حيث اجتمعوا تحت رئاسة شيخنا ولد محمد لقظف. وحوالي الساعة الواحدة زوالا حرروا ملتمس تأييد للتغيير من أجل إعطائه سندا شعبيا، كما حضر في نفس الوقت قائد الانقلاب المصطفى ولد محمد السالك، الذي ألقى كلمة بالمناسبة شرح خلالها دوافع التغيير وأسبابه الموضوعية.

وعندما أذيع ملتمس التأييد ومعه أسماء الحضور الذين وصلوا حوالي 100 إطار، توالت ملتمسات التأييد والمساندة وخرجت المظاهرات الشعبية المؤيدة والمساندة في اليوم الموالي، حيث استقبلها أعضاء اللجنة العسكرية بالقصر الرئاسي.

ومن المفارقات التي حدثت يوم 10 يوليو، أن أحد الوزراء المعتقلين في منزل بمدينة انواكشوط اندفع يصفق عندما أذيع البيان العسكري رقم 1، معلنا الإطاحة بالنظام. وقد انعكست حالة الانزعاج التي ظهر عليها سفير فرنسا بانواكشوط السيد “ليمون فيل” صباح العاشر يوليو من عدم تسرب أي خبر عن الانقلاب وفجائيته بالنسبة للفرنسيين.

وقد قام المهندس إسماعيل ولد أعمر بمبادرة منه باستدعاء السفير الفرنسي إلى مكتبه بشركة اسنيم، حيث وصل الساعة العاشرة صباحا وأكد له اسماعيل أن التغيير شأن داخلي وأن التعاون الموريتاني الفرنسي سيستمر وأن مصالح فرنسا في موريتانيا ستبقى مصانة ولن تمس بسوء.

استكمال السيطرة، ووضع اللمسات الأخيرة على تشكلة اللجنة والحكومة:

أثناء القيام بعملية السيطرة وترتيب الأوضاع بعد اعتقال الرئيس، اتصل قائد الأركان المصطفى ولد محمد السالك بمدير الأمن آنذاك السيد يحي ولد عبدي، ليطلب منه إعطاء الأوامر لقوات الأمن، لكي تضطلع بمهمتها، لكنه وجده غائبا، وكان نائبه المفوض “لي” لاحظ أن هاتف المدير يرن باستمرار في غيابه، فأخذه فإذا بالمصطفى ولد محمد السالك على الخط، وكانت بينهما معرفة سابقة عندما كان المصطفى واليا على لبراكنه والمفوض “لي” يعمل تحت إمرته،

 فأخبره بأن المدير غير موجود، فأمره المصطفى بإعطاء الأوامر المطلوبة، وهو ما قام به على الفور، حيث أصدر أوامره لقوات الأمن بتنفيذ ما طلب منها، فكان غياب المدير فرصة ليصبح نائبه بالصدفة عضوا في اللجنة العسكرية.

ويروي الأستاذ أحمد الوافي أنه عند الخامسة صباحا اتصل به سيد أحمد ولد ابنيجاره وأخبره بأن كل شيء قد أنجز، وأمره بالتوجه إلى الإذاعة لإذاعة بيان الإنقلاب.

فتوجه إليها صحبة مولاي هاشم فوجداها موصدة الأبواب، فبحثوا عن شخص يفتحها لهما، فقبل أحد الضباط بالقيام بفتحها عن طريق تكسير الأبواب، لكنهم لم يعرفوا طريقة تشغيلها، فبعثوا في طلب الحرسي “مَمَيْ” الذي كان يتولى مسؤولية حراسة الإذاعة، بالإضافة إلي مركزه في الفرقة الموسيقية التابعة للحرس، التي كان “مَمَيْ” أيضا هو الرجل الثاني فيها.

وعندما حضر “مَمَيْ” إلي مبني الإذاعة، أخذ لهم الأشرطة العسكرية دون تمحيص، لذا كان أول شريط أذيع للإعلان عن الإنقلاب، هو: “النشيد الفرنسي”، دون معرفة منهم بحقيقته. وبعد ذلك أذيع البيان بالعربية بصوت خطري ولد جدو الذي كان آنذاك ناطقا باسم الحكومة، وتلاه بالفرنسية محمد محمود ولد الديه.

وقد تضمن البيان ثلاث نقاط، تعهد القادة الجدد بتنفيذها، وهي:

1- إيقاف الحرب.

2- إصلاح الوضع الاقتصادي.

3- وضع أسس لديمقراطية سليمة.

وحوالي الساعة التاسعة صباحا فتح المهندس إسماعيل ولد أعمر قاعة الاجتماعات بمكتبه بشركة اسنيم في انواكشوط، حيث تجمع فيه قادة الانقلاب المدنيين وصار كل واحد منهم يستدعي شخصيات أخرى يتوقع أنها مساندة، وهكذا توافدت الأطر المساندة والمستبشرة بالتغيير، حيث اجتمعوا تحت رئاسة شيخنا ولد محمد لقظف.

وحوالي الساعة الواحدة زوالا حرروا ملتمس تأييد للتغيير من أجل إعطائه سندا شعبيا، كما حضر في نفس الوقت قائد الانقلاب المصطفى ولد محمد السالك، الذي ألقى كلمة بالمناسبة شرح خلالها دوافع التغيير وأسبابه الموضوعية.

وعندما أذيع ملتمس التأييد ومعه أسماء الحضور الذين وصلوا حوالي 100 إطار، توالت ملتمسات التأييد والمساندة وخرجت المظاهرات الشعبية المؤيدة والمساندة في اليوم الموالي، حيث استقبلها أعضاء اللجنة العسكرية بالقصر الرئاسي.

ومن المفارقات التي حدثت يوم 10 يوليو، أن أحد الوزراء المعتقلين في منزل بمدينة انواكشوط اندفع يصفق عندما أذيع البيان العسكري رقم 1، معلنا الإطاحة بالنظام.

وقد انعكست حالة الانزعاج التي ظهر عليها سفير فرنسا بانواكشوط السيد “ليمون فيل” صباح العاشر يوليو من عدم تسرب أي خبر عن الانقلاب وفجائيته بالنسبة للفرنسيين.

وقد قام المهندس إسماعيل ولد أعمر بمبادرة منه باستدعاء السفير الفرنسي إلى مكتبه بشركة اسنيم، حيث وصل الساعة العاشرة صباحا وأكد له المهندس اسماعيل أن التغيير شأن داخلي وأن التعاون الموريتاني الفرنسي سيستمر وأن مصالح فرنسا في موريتانيا ستبقى مصانة ولن تمس بسوء.

تشكيل اللجنة العسكرية والحكومة والانقلاب المضاد:

بعد أن تمت السيطرة على الأوضاع في عموم التراب الوطني، صباح الاثنين العاشر من يوليو 1978، اجتمع القادة العسكريون للانقلاب المتواجدون في انواكشوط يومها، وهم: المصطفى ولد محمد السالك، وجدو ولد السالك، وأحمدو ولد عبد الله، في حين كان هيداله وبوخريص خارج العاصمة، وتشكلت اللجنة العسكرية بشكل فاجأ المدنيين، الذين كانوا متواجدين يومها بمقر شركة “اسنيم” بانواكشوط.

فقد كان الاتفاق المسبق يقضي بأن تشكل اللجنة من المدنيين والعسكريين معا، وأن تكون الحكومة مدنية صرفة، لكن اللجنة كانت عسكرية مائة بالمائة، أما الحكومة فكانت مختلطة.

والغريب في الأمر أن جدو ولد السالك لم يعترض على التشكلة، ويعزو الأستاذ الوافي ذلك إلى أنه ربما لم ينتبه إلى خطورة ما حصل وأنه تعامل مع الموضوع –كعادته- ببساطة.

فقد كان متوقعا أن يرأس الحكومة: شيخنا ولد محمد لقظف، الذي وُعد بالمنصب لعوامل متعددة، منها عامل السن.

كما أن سيد أحمد ولد ابنيجاره يرى أنه الأحق بالمنصب لكونه الزعيم الفعلي للجناح المدني.

ورغم هذه المسوغات، فلم يشغل أيا منهما منصب الوزير الأول، الذي احتكره رئيس اللجنة العسكرية لنفسه، وهيمن على القرار من خلال رئاسته للجنة العسكرية وللحكومة.

أما شيخنا فقد عين في منصب وزير الخارجية، وهو منصب يرى الأستاذ الوافي أنه قريب إلى قلبه، لكونه قد شغله في السابق.

وبالنسبة  لجدو ولد السالك فقد انشغلت الجماعة بالبحث عن منصب يناسب دوره، فقد كانوا يرون أن منصب قائد الأركان هو الأنسب بالنسبة له، لكن اعتبارات الرتب العسكرية حالت دون ذلك، لأن رتبته كانت رائد، بينما توجد رتب مقدم وعقيد في الجيش، وهو نفسه لم يكن مستعدا لترقية غير عادية، فأصبحت مشكلة إيجاد منصب يناسب جدو ودوره معضلة حقيقية، فهو -في نظرهم- هو صاحب الانقلاب، لكنه لم يكن مستعدا للرئاسة، بل تنازل عنها لصالح المصطفى، لذا طلب منه الزملاء المدنيون أن يكون قائدا للمنطقة العسكرية والمدنية بانواكشوط، أي واليا عسكريا ومدنيا على انواكشوط، وبرروا له ذلك بأن من يقوم بانقلاب عسكري ولم يسيطر على المراكز الحساسة، سيصبح لاشيء، لذا نزل عليهم تعيينه وزيرا للداخلية كالصاعقة.

فكانت الحصيلة إذن هزيمة عملية لجدو ولزملائه المدنيين، الذين يرون أنهم هم من أنجز الانقلاب وعمل بجد من أجل حصوله. لكن المصطفى ولد محمد السالك برر قراره بتوسيع اللجنة العسكرية برغبته في وحدة الجيش من خلال إدخال عناصر كانت معادية للتغيير، ولإرضائهم بوصفهم ضباطا كبارا، من أجل مساندة التغيير، لذا أُدخل أحمد سالم ولد سيدي والشيخ ولد بيده ومحمد محمود ولد لولي وعناصر من الزنوج، بما فيهم المفوض “لي”، الذي تم الاتصال به عن طريق الصدفة.

ورغم أن خيار المصطفى ولد محمد السالك قد تغلب إلا أن الجماعة الأخرى فرضت مجموعة من صغار الضباط فكانت سابقة قليلة من نوعها، تمثلت بدخول نقباء وملازمين في تشكلة اللجنة العسكرية.

كما أقصيت عناصر مهمة مثل: أحمد بن أعمر من التشكيلة الحكومية وأحمد الوافي وممد ولد أحمد، وهو ما أغضب المهندس اسماعيل ولد أعمر وأثر على ولائه بعد تشكيل الحكومة مباشرة –كما يروي الأستاذ الوافي.

كما استبدل محمد يحظيه ولد ابريد الليل ب “ابه ولد انه”، الذي كان وقتها شيخا كبيرا، فظهرت ثغرة تتعلق بالتوازنات، زادت من تعقيدات الموقف.

لذا سيطر أصحاب الرتب الكبرى في اللجنة العسكرية منذ اللحظة الأولى وتم استبعاد المدنيين من اللجنة، وبدأت بذور الخلاف بين المصطفى وجدو تظهر من تلك اللحظة.

فوقف سيد أحمد ولد ابنيجاره ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل (وهما أعضاء في الحكومة) مع جدو ولد السالك.

أما الجانب الآخر فكان يضم المصطفى ولد محمد السالك ومعه الجميع، حيث كانوا يحرضونه على الجماعة الأخرى، لذا شكلت الحكومة على تلك الخلفية، حيث انقسمت المجموعة إلى جناحين:

1- معسكر من يرون أنهم أصحاب الانقلاب الأساسيين بقيادة جدو.

2- معسكر المصطفى ولد محمد السالك ومن التحق به من خارج الجماعة.

فعين محمد يحظيه ولد ابريد وزيرا للإعلام والثقافة، وسيد أحمد ولد ابنيجاره وزيرا للمالية والتجارة.

وهناك جانب آخر أظهر حجم الخلاف منذ اللحظة الأولى، وذلك عندما أمر وزير الإعلام والثقافة وسائل الإعلام العمومية بشن حملة ضد النظام المطاح به، حدثت ضجة كبيرة، حيث طالب البعض بأن لا يساء إلى النظام المطاح به، لأن ذلك سينكئ الجراح وهو ما يجب أن يعمل الجميع على تفاديه.

فتكرست إذن الخلافات بين أطراف الجماعة، كما أنه لم يعد سيد أحمد ولد ابنيجاره منسجما مع جماعته المدنية، واستبعد كذلك أحمد الوافي وممد ولد أحمد وأحمد بن أعمر من مراكز القرار، فبدأ القادة الجدد يواجهون المشاكل وهم مفككون، تتربص بهم عناصر في الداخل وأطراف خارجية.. الكل لديه لهفة في الانقضاض عليهم.

فالرئيس المصطفى ولد محمد السالك أحاط نفسه بالمجموعة المعادية للعناصر الفاعلين في الانقلاب، فعين “كادير” (عبد القادر ولد ابه ولد عبد القادر) مستشاره العسكري (رئيس المكتب العسكري)، لذا سهل علي المتربصين التخلص من جدو وجماعته في يوم واحد نهاية شهر مارس 1979 أي بعد ثمانية أشهر تقريبا من نجاح الانقلاب.

فقد أبعد جدو عن الجيش، وبقيت جماعته عاجزة عن القيام بأي رد فعل مؤثر.

وخلال هذه الفترة كان الصراع عنيفا داخل الحكومة وبلغ أشده بين المدنيين المشاركين في الانقلاب والعسكريين داخل الحكومة. وأمام واقع كهذا لم يستطع القادة الجدد معالجة أية قضية باستثناء وقف إطلاق النار الذي حصل في اليوم الثاني من الانقلاب، لذا تمت المفاوضات مع البوليساريو بفوضوية شديدة وارتجالية صرفة، فتارة يرسل للتفاوض سيد أحمد ولد ابنيجاره وتارة أخرى يتولى المهمة هيبه ولد همدي، وتارة أخرى يقوم بها المصطفى ولد اعبيد الرحمن… فكل ما نجح فيه القادة الجدد هو: توقيع اتفاقية سلام مع البوليساريو، تمت بقرار فردي من الرئيس محمد خونا ولد هيداله.

ويروي الأستاذان: محمد يحظيه ولد ابريد الليل وأحمد الوافي، أن الجانب المتعلق من الاتفاق السابق للانقلاب، والقاضي بإدماج عناصر الزنوج في الحكومة هو الوحيد الذي تم احترامه.

فسيد أحمد ولد ابنيجاره كان قد اقترح “سك مام انجاك”، كما اقترح ممد ولد أحمد صديقه “يوسف دياكانا” الذي عين وزيرا للصحة، كما تولى الدكتور “با عمر” وزارة التنمية الريفية باقتراح وتزكية من صديقه الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل.

ويري الأستاذ أحمد الوافي أن حزب الشعب” وميليشياته وهياكله الأخري حيث، قد اختفت جميعها صباح العاشر من يوليو، بل إن أطر هذا الحزب،  توافدوا فرادى وجماعات ليقدموا ولاءهم للحكام الجدد.

وأمام واقع كالذي عاشه القادة الجدد- والذي تضافرت خلاله عوامل زادت الأمور تعقيدا، وعمقت الصراعات الداخلية- كان هناك أيضا الوضع الاقتصادي والأمني السيئين، وكانت حالة الانهيار الشاملة، تضغط بقوة، وبدأت تظهر حركتا “افلام” و”الحر”، في وقت كانت القوى الأخرى مفككة وغير منسجمة، فـ”الكادحين” لم يكونوا منسجمين فيما بينهم وكانوا كذلك هم وأغلب الفرقاء السياسيين الآخرين.. كما كان القوميون أيضا غير منسجمين فيما بينهم.

ويروي الأستاذان: ابريد اليل والوافي أنه من خلال هذه الثغرات تمكنت أطراف خارجية أيضا من الدخول إلى مركز القرار وبالخصوص فرنسا التي أُخذت على غرة والمغرب الذي فوجئ بالحدث.

فقد عين المغرب على الفور سفيرا من أقوى السفراء هو “السنوسي” كما قام باستدعاء السفير الذي كان معتمدا لدى انواكشوط، والذي يروي الأستاذ أحمد الوافي أنه سمع أن الملك الحسن الثاني قال لهذا السفير: أنت جالس في خيمة ليست لها أبواب وتحصل كل هذه الأحداث دون أن تعلم بها؟.

ردود الفعل الخارجية على الانقلاب:

يروي محمد يحظيه ولد ابريد اليل وأحمد الوافي أن ردود الفعل على الانقلاب لم تكن بالسلبية المتوقعة، فلم يحصل أي تطور خارجي يهدد التغيير، لذا بادر القادة الجدد إلى الاتصال بالدول المؤثرة في مجريات الوضع في موريتانيا وفي ملف الصحراء تحديدا، وتم ذلك على النحو التالي:

1- المغرب:

يروي الأستاذان: الوافي وابريد اليل أن الأولوية كانت بالنسبة للقادة الجدد تتمثل في الخروج من مأزق الحرب، دون الدخول في مأزق حرب أخرى مع المغرب، الذي كانت لديه قوات عسكرية داخل البلاد، لذا كرست الاتصالات المسبقة به من أجل تفادي أي مواجهة معه بعد حدوث الانقلاب.

وقد اتسم رد فعل المغرب بالاعتدال وقام بمغازلة القادة الجدد، وذلك عندما توجه إليه وفد موريتاني، سماه –آنذاك- القادة الجدد: “وفد الأركاب”، والذي يضم مجموعة من الوجهاء وهم: شيخنا ولد محمد لقظف، وسليمان ولد الشيخ سيديا، واحبيب ولد ابراهيم السالم، وبا بوكر ألفا، وأحمد الوافي.

وقد خاطبهم الملك الحسن الثاني قائلا: اتركونا ننثني ولا ننكسر، فأي مساعدة ترغبون فيها، سواء أكانت مادية أو غيرها فالمغرب على استعداد لتقديمها هو نفسه وكذلك بالنسبة لأصدقائه. ويروي الأستاذ الوافي أن الملك الحسن الثاني قام بحركة ملكية، فأخذ الهاتف واتصل بفهد وأخبرهم بعد الاتصال أن السعودية ستمنح موريتانيا مبلغ 150 مليون دولار، وهو مبلغ قال إنه يمثل فتحا كبيرا بالنسبة للقادة الجدد، لكنه مع ذلك شكل الضربة القاصمة لوحدة العسكريين، فقد اتخذه بعضهم حجة بأن المغرب ها هو يقدم ويقدم، ويتساءلون عن ماذا قدم الآخرون؟

فكان الموقف المغربي الأكثر من إيجابي، سببا إذن في تفكيك وحدة العسكريين، حيث طلب الملك الحسن الثاني من الوفد رقم حساب ولو باسم أحد أعضاء الوفد، لتحول المغرب فيه إلى موريتانيا مبلغا ماليا فورا.

وهو ما كانت موريتانيا في أشد الحاجة إليه لدفع رواتب موظفيها ذلك الشهر. أما المبلغ المقدم من طرف السعودية فقدم جزء منه على شكل تمويلات (45 مليون دولار) والبعض الآخر كان نقدا (30 مليون دولار)، أما البقية فلم تقدم.

وقد مارس المغرب ضغوطا كبيرة، لكي لا يتم التقارب بين موريتانيا وليبيا، وكانت ورقة الضغط الأساسية هي :الأموال السعودية.

2- ليبيا:

بعد نجاح الانقلاب بعث القذافي يوم 18 يوليو بطائرة خاصة إلى انواكشوط، ونقلت وفدا موريتانيا يرأسه الرائد مولاي ولد بوخريص وبعضوية أحمد الوافي والمحجوب ولد بيه، وعندما اجتمع الوفد بالقذافي طلب منهم أن تتحد موريتانيا مع الصحراء، لتنتهي المشكلة وخاطبهم قائلا: “فبوحدتكم ستستطيعون التغلب على كل شيء، فليبيا على استعداد تام لدعم هذا الخيار”.

فرد عليه الوفد الموريتاني بأن موريتانيا مستعدة، لكن لابد لها من مرحلة انتقالية، حينها استدعى القذافي الصحراويين وحضروا فورا إلى القاعة، حيث دخل محمد عبد العزيز ومحمد الأمين ولد الليلي، الذي هو محمد الأمين ولد أحمد، وبقي الوفدان لاحقا مع بعضهما البعض، طيلة نفس اليوم في مكان واحد وتناقشا وجها لوجه.

فكانت وجهة نظر الوفد الصحراوي هي: أخرجوا من بلادنا وسنوقف عنكم الحرب، وكان موقف الموريتانيين هو: اتركونا في الأرض ونحن معكم في اللعبة، فمن الأفضل أن لا تبعدوا موريتانيا عن ساحة اللعب.

وكان أول مبلغ دخل خزينة الدولة الموريتانية بعد الانقلاب هو 10 مليون دولار جاءت من ليبيا دفعت منها رواتب الموظفين خلال شهر يوليو 1978.

3- الجزائر:

أما الجزائر، فلم تكن هناك صعوبة في الاتصال بهم لأن وقف إطلاق النار حصل في اليوم الثاني من الانقلاب، وهو أمر يمثل أولوية الأولويات بالنسبة للقادة الجدد.

ويروي الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل أنه عندما علم بوفاة الرئيس هواري بومدين أمر الإذاعة الوطنية ببث القرءان الكريم –رغم أنه لا علاقة دبلوماسية بين موريتانيا والجزائر-، وبعد اتخاذه القرار، اتصل بالرئيس المصطفى ولد محمد السالك وأخبره به، فدعا الرئيس فورا إلى اجتماع مشترك بين الحكومة واللجنة العسكرية (وهي سابقة لم تتكرر من قبل ولا من بعد، فلم تجتمع الحكومة واللجنة العسكرية في جلسة مشتركة، إلا في هذه المرة وحدها)، حيث تحدث البعض عن أن قرار بث القرءان الكريم، ترحما على الرئيس هواري بومدين، لا يمكن أن يتخذه إلا مجرم، في حين قال آخرون إنه قرار يحرج الحكومة، لكنه في النهاية حدث تصويت، فجاءت الأكثرية مع ضرورة بث القرءان.

ويواصل الأستاذ محمد يحظيه ذكرياته حول هذا الموضوع، فيقول: كان الرئيس المصطفى يميل دائما إلى تطبيق رأي الأغلبية وكان لا يتخذ قراره إلا وفقا للأغلبية، ويتراجع عندما تصبح الأكثرية ضده، ويستدل على ذلك بهذا القرار، وقرار إنشاء طريق كيفه النعمه، التي تنافست عليها شركتا “ميندز” البرازيلية و”كولاس” الفرنسية، حيث أرسل الرئيس الفرنسي “جسكار ديستان”، مبعوثا رسميا إلى الرئيس المصطفى يطلب منه أن تمنح موريتانيا الطريق إلى “كولاس”، ولما طرح الموضوع على الحكومة، رد أغلب أعضائها أن موافقته المبدئية على الطلب ليست ملزمة لهم، فاستمر النقاش حول الموضوع من الثامنة صباحا وحتى العصر، فجاءت الأكثرية ضد الشركة الفرنسية ومع “ميندز”، فطبق المصطفى قرار الأغلبية أيضا.

4- فرنسا:

لقد علقت إذاعة فرنسا الدولية على الانقلاب بأنه قام به شباب من الضباط الحمويين، في إشارة إلى جدو وأحمدو والمصطفى (هناك خلفية صراع بين فرنسا والشيخ حماه الله الذي نفته وتوفي في فرنسا سجينا).

لكن مبادرة المهندس إسماعيل ولد أعمر باستدعائه لسفير فرنسا صباح العاشر من يوليو إلى مكتبه، والتي كانت لطمأنة فرنسا وللتأكيد لها على أن مصالحها في موريتانيا لن تتضرر، لم تنه الإشكال.

فقد صرح وزير التعاون الفرنسي “غاغي” خلال ندوة صحفية بفرنسا بأن هناك شبه انزعاج مما حصل في انواكشوط، كما أثنى على الرئيس المختار بشكل مبالغ فيه، وهو ما مثل تحدِّ للقادة الجدد في نظرهم، كما انزعجوا مما حصل. ويعلل الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل الانزعاج الفرنسي بأنه عائد إلى أنه لأول مرة يتقرر أي شيء في موريتانيا دون أن يكون لفرنسا أي علم به ودون مباركتها.

وعندما بثت إذاعة فرنسا الدولية –خلال نشرتها الزوالية- تصريح وزير التعاون الفرنسي، انزعج القادة الجدد، حيث استدعوا سفير فرنسا إلى وزارة الخارجية الموريتانية، وكان سيد أحمد ولد ابنيجاره وزيرا للخارجية بالنيابة لوجود شيخنا خارج البلاد.

فاتصل سيد أحمد بمحمد يحظيه بوصفه وزيرا للإعلام وبجدو ولد السالك بوصفه وزيرا للداخلية وبمولاي ولد بوخريص بوصفه قائدا للمنطقة العسكرية السادسة، وبمعاوية وبإسماعيل ولد أعمر، واجتمع هؤلاء الخمسة مع السفير الفرنسي، وهو أسلوب خارج التقاليد الدبلوماسية، لكنه حصل بسبب حجم الاستفزاز الذي أحدثه تصريح وزير التعاون الفرنسي.

وخلال اجتماعهم بالسفير الفرنسي في وزارة الخارجية الموريتانية أخبروه بأن تصريح وزير التعاون الفرنسي يمثل موقفا غير مفهوم وغير ودي وغير مقبول، وطلبوا منه تفسير ما حصل. فرد السفير الفرنسي بأنه سفير وأن ما حصل تم على مستويات عليا، وأنه لا يملك أكثر من ذلك.

فحاول تبرير ما حصل وتهرب من تفسيره، فطلبوا منه أن يخبر الحكومة الفرنسية التي يمثلها بأن تقدم تفسيرا لما حصل، فإما أن تؤكد كلام الوزير أو تعتذر عنه خلال أربع وعشرين ساعة.

فرد السفير على أن هذا ليس معقول وأن الفترة قصيرة وأنه لا يستطيع التعهد بإنجاز شيء خلال أربع وعشرين ساعة، وأنه كلما يستطيع عمله هو: أن يرفع الأمر إلى الحكومة الفرنسية.

فكان رد الجماعة التي دخلت معه في الحديث –باستثناء معاوية- بأنهم إذا لم يتلقوا جوابا خلال أربع وعشرين ساعة، فإن موريتانيا ستتصرف، فكان التهديد صريحا من طرف القادة الجدد، الذين قرروا قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا إذا لم تعتذر عن تصريح وزيرها للتعاون.

لكن الفرنسيين -حسب الأستاذ محمد يحظيه- فهموا بدقة ما كانت القيادة الجديدة تنوي فعله، خاصة أنه لأول مرة تقطع مستعمرة فرنسية في غرب إفريقيا علاقاتها الدبلوماسية بفرنسا وهو عمل سيضر بصورة فرنسا وسيسيء لها أمام مستعمراتها السابقة.

فقبل مضي أربع وعشرين ساعة من اللقاء بالسفير الفرنسي، أذاعت إذاعة فرنسا الدولية في نشرتها لمنتصف النهار الموالي تصحيحا لتصريح الوزير الفرنسي، حيث أكدت الحكومة أن التصريح أسيء فهمه وأنه تم تحريفه، ولم يتم بهدف الإساءة إلى النظام الجديد، وأن فرنسا ليس لها موقف سلبي اتجاه النظام الجديد.

خاتمـة:

هذا هو العاشر من يوليو –كما يرويه بعض قادته-، وهذه هي الصورة التي رسموا له، وانطبعت في مخيلتهم عن الحدث، وهي كذلك تمثل ذكرياتهم عنه، نضعها اليوم بين يدي القارئ والباحث والمهتم، لتشكل جزءا من الصورة، علَّ الآخرين يميطون اللثام عن رؤيتهم للحدث، وعن ذكرياتهم حوله، أو ما يمكن أن يكونوا قد كتبوه عن الموضوع في مذكراتهم قبل وأثناء وبعد التنفيذ.

قد تغيب جوانب من الصورة لرحيل أصحابها، وقد تشوه الذاكرة بعض التفاصيل، لكنه من حقنا جميعا –كموريتانيين- أن نضع تجربة العاشر من يوليو تحت المجهر، بعد مضي خمسة وثلاثين سنة على حصولها، وهي فترة كافية لتهدأ العواطف، مما يسمح لنا جميعا برؤية الحدث ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي، دون تصفية حسابات مع طرف لم يعد خصما لنا جميعا، ودون حساسية لأن المسافة بعدت، ولأن أبطال المعركة شاخوا، وقد تشيخ معهم اهتمامتهم.

أما نحن فمن حقنا أن نستمع إلى الجميع دون استثناء وأن نحاورهم، وفي النهاية، يحق لنا كذلك أن ننتقدهم، وأن نناقشهم في كل ما ذهبوا إليه، سواء أكان ذلك على مستوى الأحداث أو على مستوى الأدوار والفاعلية.

فالتاريخ ملك لنا جميعا وليس من حق أي شخص أن يحتكر كتابته لوحده، كما أنه يجب أن لا يدون وفق رؤية أحادية وأن لا يصبح تكريسا لتمجيد طرف بعينه.

فهو مجموعة عبر نستخلصها من الحدث وعملية فهم يجب أن تتوخى الدقة وأن تسعى إلى الموضوعية، عندما نصبح باتجاه تحليل أو سرد أي حادثة وقعت.

وبالنسبة للعاشر من يوليو، فقد تكون الصورة اليوم أصعب، لأن أغلب قادته لازالوا –بحمد الله- أحياء يرزقون، وهو ما يزيد من الحساسيات ويضاعف من المسؤوليات، اتجاه ما يروى وما يكتب.

لكنها الحكاية، التي تجاسرنا على كتابة جزء منها، دون أن نرسم لها نهاية محددة، لذا من واجب الآخرين أن يكملوا الحكاية، ليتم فهم المشهد ولتكتمل الصورة وفق منطق: “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب”.

وأملنا كبير في أن تساهم هذه الشهادة وتنجح في نفض الغبار عن حدث لا زال حيا ولا زالت أطرافه الفعلية أو المفترضة، تعيش نقاشا حول الموضوع، كل ينعت الآخر بما يشاء ويصفه بما يفترض.

أما نحن فلسنا معنيين بموقف أي من الطرفين، ولم نساهم بهذا الجهد من أجل تبني وجهة نظر طرف على حساب الآخر، فأقصى ما نرمي إليه من خلال هذه الشهادة، هو: إثارة النقاش حول هذه المرحلة، وقد شجعنا على ذلك استعداد بعض الأطراف الذين كانوا وراء الحدث، لتسجيل شهادتهم على هذا التحول، علَّ الحقيقة تظهر، وعلَّ الحصار المفروض على التاريخ الموريتاني ينتهي، ليتمكن كل طرف من قول ما يرى أنه هو الحقيقة، ولكي يتسنى للآخر أن يقول رأيه بكل حرية، وبكل موضوعية إذا كانت الحقيقة هي خياره الأساسي.

لهذا نضع هذا العمل المتواضع أمام الجميع، ليحكموا عليه بما شاءوا، وبما يعتقدون أنه هو الحقيقة في نظرهم.

والله نرجو أن يوفقنا جميعا لما فيه مصلحة البلاد والعباد

حوار وإعداد وصياغة: محمد المختار ولد محمد فال-  كاتب صحفي.

ملاحظة: سجلت هذه الأحاديث في انواكشوط خلال شهري مايو ويونيو2008 وانتهت صياغتها بتاريخ: 28/06/2008 بمناسبة الذكرى الثلاثين للعاشر من يوليو سنة 1978

المصدر