الإتحاد العربي للنقابات يصدر تقريرا عن أزمة حمالة ميناء انواكشوط

من منزله المتواضع في مقاطعة الرياض ينطلق عالي ولد محمود (60 سنة) إلى ميناء الصداقة بانواكشوط في ساعات الصباح الأولى سيرا على الأقدام إخلاصا لعادة يومية دأب عليها منذ قرابة الأربعين سنة، ويدلف مثقل الخطى إلى الباحة الكبيرة قبالة الميناء التي يتخذ منها المضربون ميدانا لنشاطاتهم الاحتجاجية أثناء الإضراب، ويجتمعون بها في الظروف العادية في انتظار أن يصلهم الدور.

يسترجع العميد عالي بنشوة المحطات النضالية للحمالين وتفاصيل السياسات والإجرات التي تتخذها إدارة الميناء والموردين ، ويتحدث بكل مرارة عن ضعف مردود العمل وقساوة ظروفه التي يعتبر أنها السبب المباشر في تحركات الحمالة طيلة السنوات الأخيرة: “دخل العمال في بعض الأحيان لا يتجاوز 4500 أوقية للشهر، بفعل السياسية المعتمدة حاليا، من خلال  نقل البضائع إلى المدينة دون تفريغها في الميناء “Sortie TC”، إنه أمر جد سيء، أوضاعنا مزرية، فمنذ سبعينيات القرن الماضية وأنا أعمل هنا ولم أشاهد انتهكا لحقوق العمال بهذا المستوى”.

غير بعيد من حيث تموقع عالي في ساحة تجمع المضربين كان الشين ولد فيه البركة (38 سنة) يتوسط جماعة من الحمالة تفترش الأرض وتحتسي الشاي، وبادرنا بالحديث: هل تعرفون ما يؤسفني حقا في كل هذه الحكاية؟

يؤسفني أن الدولة وإدارة الميناء لا تقدران مهمتنا التي نقوم بها حق قدرها، فنحن هم القاطرة الوحيدة التي يتغذى عليها الشعب الموريتاني بكامله و يبني على رؤوسها الدور و القصور ، فلو قدروا شيئا من ذلك لما قضينا كل هذه الفترة ونحن نطالب بأمور بسيطة وفي كل مرة يحصل معنا فيها اتفاق يتحول بقدرة قادرة إلى سراب بعد مدة قصيرة.

لقد فرحنا سنة 2014 لزيادة عدد البضائع المسموح لنا بتفريغها بـ 10 بضائع لتصل إلى 18 بدلا من 8 فقط، وخالجنا الأمل بأن تحقيق مطلب السماح لنا بتفريغ  كافة البضائع في الميناء بدلا من نقلها مباشرة عبر الحاويات إلى المدينة بات قريبا، لكن ومع مرور الأيام اتضح لنا أن الأمر لا يعدو كونه مناورة وخداعا وإمعانا في إهانتنا وتركيعنا لسواد عيون التجار والموردين.لماذا كل هذا؟، وهل قدرنا أن نعيش على مهنة حمل الأثقال في الميناء؟!

 العنوان العريض للإضراب

ويطلق العمال المضربون اسم “صورتي تيسه” (sortie TC) على الإجراء الذي دفعهم إلى الإضراب، ويعتبرون أن سماح السلطات للموردين به قلص أمامهم فرص العمل وأدى إلى تراجع مداخليهم، خاصة وأن الموردين غدوا يتعاملون مع اليد العاملة الاجنبية بأسعار رخيصة لتفريغ بضاعتهم في أسواق مدينة انواكشوط.

وقد بدأ العمل في الميناء بنظام “صورتي تيسه” منذ العام 2013، وبمقتضاه صار أكثر من 80% من البضائع التي تصل الميناء تنقل مباشرة إلى المدينة، بينما لا يسمح للعمال البالغ عددهم 5660 بتفريغ سوى أقل من نسبة 20%.

ويتهم المضربون الحكومة بأنها انحازت إلى التجار على حساب الحمالة بقبولها نقل البضائع في الحاويات مباشرة من الميناء إلى المدينة دون تمكينهم من تفريغ حمولتها في الميناء.

ويطالب الحماله برفع التعويض الممنوح لهم من 0.8 اوقيه (0.003 دولار) للكيلوغرام الواحد الي خمس اواق (سنت واحد)، ويقولون ان الشاحنات تحصل علي تعويض سبع اواق (0.02 دولار) للكيلوغرام، وان الرافعات تحصل علي تعويض اكبر يصل الي 15 اوقيه (0.05 دولار) للكيلوغرام، في حين لا يحصلون الا علي اقل من اوقيه واحده للكيلوغرام، وهو ما يعتبرونه ظلماً واهانه لهم.

جولة جديدة

ومع إطلالة نوفمبر الجاري دخل حمالة ميناء انواكشوط في إضراب جديد احتجاجا على المماطلة في التراجع عن الإجراء الذي اتخذ قبل سنوات بنقل البضائع في الحاويات إلى المدينة دون الاستعانة بالحمالة في الميناء.

وجاء قرار العمال بالدخول في الإضراب عقب سلسلة مشاورات عقدها مكتب القسم النقابي للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا مع حمالة ميناء نواكشوط عبر خلالها العمال عن استيائهم من هذا النظام الذي يجري به العمل منذ بعض الوقت في انتهاك صارخ للعلاقات والأعراف المهنية والقوانين المنظمة لتشغيل اليد العاملة المينائية.

وفي اتصال لموقع الاتحاد العربي للنقابات مع المتحدث باسم الحمال المضربين أكد سيدنا ولد محمد على سلمية الإضراب، وقال إن نحو 5660 عاملا بالميناء باتوا مهددين بالجوع وأن أطفالهم يعانون بفعل السياسيات غير المدروسة لإدارة الميناء والأخطاء الفادحة التي ترتكبها السلطات في تعاطيها مع الحمالة.

وأكد أن العمال تفاعلوا بشكل كبير مع الإضراب وإن أحد القوارب توقف العمل فيه بشكل كامل بفعل الإضراب، مضيفا أن الأزمة قد تتفاقم إذ لم تتخذ السلطات قرارا لصالح العمال.

ويشكو الحمالة بالميناء من تعثر تطبيق الاتفاق بينهم وبين السلطات في العام 2013، إذ يعتبر الحمالة المضربون أن العديد من مطالبهم لم تتم تلبيتها منذ ذلك الحين بل على العكس من ذلك سمحت إدارة الميناء للتجار بتفريغ حاوياتهم داخل المدينة وهو ما قلص مداخيلهم وساعات العمل التي يعملونها في مهنة مارسوها على ما يربو من خمسة وثلاثين عاما.

وقال الطالب ولد افضيل إن القانون تم تغييبه عمدا لتقويض حقوق العمال لصالح التجار، مضيفا أن اتفاق 2013 تم الالتفاف عليه.

واعتبر الطالب أن تهميش العمال بدأ منذ 12/12/1984م، مشيرا إلى أن الحكومات المتعاقبة ظلت تعتمد سياسة التجاهل لحقوق الحمالة حتى تراكمت وأصبحت تستعصي على الحلول الترقيعية، مضيفا أن على الدولة إنصاف الحمالة تجنبا لانفجارات اجتماعية قد تقوض الدولة من أساسها.

وخلال النشاطات الاحتجاجية التي نظمها  العمال اندلعت مواجهات بين الحماله وقوات من الدرك، بمحيط ميناء نواكشوط منذ اليوم الثاني للإضراب وتعرض خلالها المحتجون للقمع والتفريق، وتم اعتقال 45 منهم قبل أن يخلى سبيلها بعد ثلاثة أيام من التوقيف.

وقال المختار ولد سيدي وهو أحد العمال المشاركين في المظاهرات:”لقد تعرضنا لقمع شديد حيث استخدم الدرك قنابل الغاز بكثافة ووحشية لكن ورغما عن ذلك ستستمر المظاهرات ما لم ينفرج الوضع.

ودعا ولد سيدي وسائل الإعلام العمومية والخصوصية إلى زيارة الحمالة في الميناء لاكتشاف أوجه المعاناة التي يتعرضون لها، منتقدا تقصير الاعلام في حق الحمالة ومنبها إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام مذكرا بأن الجهات الوصية عليهم تتعاطى معهم بشكل إيجابي كلما لجأوا إلى الإضراب أو أثيرت قضيتهم في الإعلام، ثم يعودون من جديد إلى معاناتهم كلما ابتعد الإعلام عنهم أو وقعوا اتفاقا مع السلطة يتضمن تعهدات.

وقد نجح هذا الإضراب خلال أيامه العشر في توقيف العمل في الميناء، مما دفع السلطات إلى محاولة شق صفوف العمال، واستخدام بعضهم لرعاية مصالحها وتأليبه ضد البعض الآخر.

و رفضت النقابة المهنية للحمالة المشاركة في الإضراب الذي يقوده نقابيون تابعون للكونفدراليتين العامة والحرة لعمال موريتانيا.

وفي هذا الإطار اتهم الأمين العام للنقابة المهنية للحمالة شمس ولد حبيب الحمالة المضربين بأنهم “يعملون لحساب قوى وأحزاب سياسية لا تريد مصالح الحمالة”، محذرا من انجرار الحمالة خلف دعوات الإضراب.

وشدد ولد حبيب على أن الحمالة لن يقبلوا الإضرار بمصالحهم في الميناء وسيقفون في وجه من يسعى لإرغامهم على التوقف عن العمل، كما حذر من تداعيات الإضراب وما قد يؤول إليه من “أعمال عنف وفوضى”، مؤكدا أن نقابته تتقدم باستمرار بمطالب العمال إلى إدارة ميناء الصداقة، مشيرا إلى أن الأخيرة تجاوبت مع بعض المطالب وتعهدت بمواصلة المفاوضات سبيلا إلى الوصول إلى حلول تمكن من تجاوز الأزمة القائمة مع الحمالة.

ويقول المضربون بأن بائعي قضية الحمالة يسعون جاهدين لإفشال إضراب يهدف لخدمة كافة الحمالة، واصفين الأمين العام للنقابة المهنية شمس ولد حبيب بأنه “أصبح ألعوبة لدى إدارة الميناء تضرب به الحمالة متى تشاء”.

المسكوت عنه في الإضراب

وقد ظل استخدام هؤلاء الحمالين دائما يجري خارج الأطر القانونية بفعل تحكم شركات الشحن والتفريغ في مكتب العمالة المينائية ورفضهم الدائم مراعاة مقتضيات قانون الشغل و الاتفاقيات الجماعية و الامتثال لها.

وبالإضافة الي ذلك لا يستفيد الحمالة من نظام الحماية الاجتماعية نظرا لأنه لم يتم التصريح بهم لدي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي و لا يستفيدون من أي تكوين فني أو مهني قد يساعد في تحسين كفاءاتهم وخبراتهم كما يمارسون عملهم في ظل انعدام شروط السلامة والأمن في بيئة العمل.

بوادر انفراج

واستأنف الحمالة المضربون العمل يوم الخميس المنصرم ايذانا بانطلاق المفاوضات بين النقابات التي تمثلهم من جهة والدولة وأرباب العمل من جهة أخرى.

وخلال المؤتمر الأسبوعي للحكومة أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير محمد الأمين ولد الشيخ أن الجهة المعنية دخلت مع ممثلي المضربين مفاوضات وأنها تتجه لإقرار قانون جديد بموجبه سيكون للحمالين رواتب دائمة.

وفي اتصال لموقع الاتحاد العربي للنقابات قال الأمين العام للكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا محمد ولد عبد الله الملقب النهاه إن المضربين علقوا إضرابهم بناء على فتح مفاوضات بين النقابات التي ينتمون إليها ووزارة الشغل، وأن النقابات وجهت رسالة تتضمن رؤيتها لحلحلة ملف الحمالة إلى إدارة الميناء عن طريق وزارة الشغل وأنهم لا يزالون في انتظار الرد.

ويعتبر هذا الإضراب هو السادس لحمالة ميناء انواكشوط في غضون 3 سنوات ظلوا يطالبون فيها بعريضة مطلبية من أبرز نقاطها: إنشاء مستوصف صحي، وتوفير سيارة إسعاف، والتصريح بالعمال من طرف صندوق الضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى المطالبة بالتراجع عن إجراء (sortie TC)، وإعادة هيكلة العمالة المينائية.

احمدو بوداحة، عضو شبكة الاعلاميين النقابيين العرب

المصدر