كيف يسيطر الإعلام الفرنسي على القارة الإفريقية ؟

أفريقيا «ألدورادو» القوى العابرة للقارات، حيث المناطق الإستراتيجية والغنية بالثروات والطاقة، كالصحراء وجنوب الصحراء وشرق وغرب أفريقيا كذلك. أمام هذه الثروات التي تتصارع حولها القوى الكبرى نقل صحافي في لوفيغارو الفرنسية تصريح الرئيس فرانسوا ميتران: «في هذه البلدان، الإبادة ليست أمرًا هامًا» وكان هذا التصريح في عام 1994، في إشارة إلى الاقتتال والظلم الممارس، في المجتمعات الأفريقية وعدم اهتمام الإعلامي الفرنسي بما يحدث هناك.

وللاستيلاء على المناطق الإستراتيجية والغنية، انتقل الصراع المسلح من قبل الاستعمار القديم، إلى صراع فكري وإستراتيجي حول بسط الهيمنة، وزيادة التبعية والنفوذ، وبأدوات العصر في توجيه الرأي العام الدولي والمحلي، ولذلك نجد كل وسيلة إعلامية ذات تمويل حكومي وتوجه دعائي لها اهتمام وإستراتيجية إعلامية نحو القارة الأفريقية.

يقول الباحث سيدي أحمد ولد الأمير: «نحن اليوم أمام غزو للقارة الأفريقية لا يقل في قوته وعنفوانه عن غزو الجيوش والاحتلال والسيطرة»، الباحث الموريتاني المهتم بالقضايا الأفريقية يطرح تساؤلات عديدة بخصوص التنافس الإعلامي الدولي على القارة، وما هي مكانة الإعلام المحلي الأفريقي مما يجري في الساحة.

ويضيف الباحث الذي أجرى دراسات متعددة في هذا الشأن، أن الهيمنة الإعلامية على أفريقيا هي استمرار لتاريخ طويل من المشاريع الإعلامية، التي أطلقتها محطات إذاعية وتلفزيونية دولية، وحتى منصات إلكترونية لتوفير مواد إعلامية تستهدف المواطن الأفريقي والتأثير في جمهور وسلطات بلاده.

هكذا بدأ الصراع الإعلامي على القارة

في الخمسينيات من القرن الماضي، وفي أوج الحرب الباردة، قامت موسكو وبكين بإطلاق محطتين إذاعيتين، باللغات الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية، وهي لغات المستعمرين في ذلك الوقت، وكانت المحطتان موجهتين إلى القارة الأفريقية، وأضافت ذات الإذاعتين اللغة السواحلية المنشرة في الساحل والغرب الأفريقي للقارة، للوصول إلى أكبر عدد من الجمهور.

وعملت كل دولة استعمارية كفرنسا وبريطانيا، على إنشاء إذاعات موجهة للمجتمعات الأفريقية، فهيئة الإذاعية البريطانية «BBC» أنشأت عام 1957 محطة باللغات الأفريقية، كالسواحلية والصومالية والهوسا، كما أضافت برامج باللغة الفرنسية مع استقلال عدد من الدول الأفريقية منذ فترة الستينيات من القرن الماضي.

ودخلت دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والبرتغال كذلك على الخط، بشأن الاهتمام الإعلامي تجاه المجتمعات والحكومات الأفريقية بعد ذلك، وهو ما شكل صراعًا إعلاميًا دوليًا قائمًا إلى الحين بالقارة الأفريقية، وكان لفرنسا الاهتمام الأكبر في هذا الصراع الدولي عبر وسائل إعلام متعددة، كالجرائد والمجلات والإذاعات وبعدها قنوات تلفزيونية ومواقع إلكترونية.

ومع ظهور وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز وأسوشيتد برس وفرانس برس، أصبح لهذه الأخيرة موضع قدم في كل أماكن العالم ومن بينها نقل الصورة والحدث إلى العواصم الكبرى من القارة الأفريقية، يعمل بالوكالة الفرنسية «أ ف ب» حاليًا أكثر من 1300 صحفي ومصور عبر أنحاء العالم، بالإضافة إلى آلاف المتطوعين من المراسلين والمصورين، كما تصنف على أنها وسيلة إعلام حكومية، يقع مقرها الرئيسي في العاصمة الفرنسية باريس.

وللتذكير عرفت أفريقيا الصحافة منذ عام 1794 بوصول أول صحيفة إلى عاصمة سيراليون فريتاون، وعادت الصحافة إلى نفس العاصمة بصدور أول نسخة بعد ست سنوات من ذلك أي عام 1800 لطباعتها وتوزيعها حسب الموسوعة الحرة.

الاهتمام الإعلامي الفرنسي بالقارة

«لم ولن تكون فرنسا غائبة عن المشهد الإعلامي الأفريقي»، يضيف الباحث عثمان سعدي، رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية: «فرنسا تقوم بتمويل الصحافة الناطقة بالفرنسية بتمويل ثابت منذ الاستقلال، كما تقدم كافة التسهيلات لهده الصحف من أجل التوزيع في التراب الفرنسي»، وتستمر الكثير من الجرائد ذات الحرف الفرنسي في التوزيع والنشر والاستفادة من الإشهار، رغم شح الإقبال عليها في مجتمعات الشمال الأفريقي مقارنة بالعربية.

ولأسباب إستراتيجية، تعتمد الحكومة الفرنسية على مجموعة من الوسائل الإعلامية الموجهة إلى المجتمعات الأفريقية، ولعل أبرزها الإذاعة الفرنسية الدولية، وإذاعة مونتي كارلو الدولية، وكذلك المجلة الناطقة بالفرنسية المشهورة «جون أفريك»، بالإضافة إلى وكالة الأنباء الفرنسية المتواجدة في كل شبر بأفريقيا تقريبًا.

وتولي الحكومة الفرنسية اهتمامًا بالغ الأهمية بالمجال الفرانكفوني والاستمرار في السيطرة على التشكيل اللغوي والثقافي في مستعمراتها القديمة، حيث قامت في عام 2006 بدعم باقتها التلفزيونية بفرانس 24، المشروع الذي أطلقه جاك شيراك في ولايته الثانية، أسال الكثير من الحبر بسبب الإطالة والميزانية الضخمة المخصصة له من قبل وزارة الخارجية الفرنسية.

كما اهتمت جرائد كبرى وعريقة مثل لوموند ولوفيغارو، وأطلقت كل منهما نسخًا موجهة إلى أفريقيا، وقامت بتوجيه مجموعة من الصحافيين للاهتمام بالقارة ودعم خبرتهم في التحقيق على هذا النحو، كما أطلقت «كنال بلاس» المعروفة بأنها قناة متخصصة في الشأن الأفريقي تحت مسمّى «A+».

كذلك الأمر بالنسبة إلى القناة الأوروبية متعددة اللغات، أورو نيوز، ذات الاهتمام الدولي والشأن الأوروبي الخارجي، والتي أطلقت بداية هذا العام 2016 النسخة الأفريقية بالمدينة الفرنسية ليون، قناة أفريك نيوز. وهي إشارات لاستمرار الزحف والحشد الإعلامي نحو أفريقيا، التي تعتبر فيها فرنسا أحد القوى المؤثرة والنافذة، خاصة مع وجودها عسكريًا في أكثر من دولة.

الشاب الأفريقي «Jeune Afrique» التابع الوفي لفرنسا

تأسست مجلة «جون أفريك» التي تترجم إلى الشاب الأفريقي عربيًا، عام 1960، ومقرها العاصمة الفرنسية باريس، وقام بإنشائها التونسي بشير بن يحمد بتاريخ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1960، وكانت سابقًا بعنوان أفريك أكسيون وتصدر في تونس. وتحولت بعد خلاف مع السلطات التونسية، في عهد الحبيب بورقيبة، إلى جون أفريك، وأفريقيا الفتاة، مع بعض المجلات الأخرى مثل لا غوفي «la revue» المتخصصة في الشؤون الدولية، وأفريكا ربورتس «Africa Reports» باللغة الإنجليزية وأفريك ماغازين «Afrique magazine».

ويهتم المتابعون للشأن الأفريقي بالاطلاع على جون أفريك لعمق العلاقة مع المسؤولين الحكوميين الأفارقة، وطبعها لنسخ متعلقة بالأقاليم الأفريقية المختلفة، فنسخة شمال أفريقيا غبر النسخة بالجنوب أو غرب أفريقيا. وتحقق انتشارًا كبيرًا في الوسط الأفريقي السياسي والاجتماعي والاقتصادي خاصة لدى الدول الفرانكفونية.

ويتكرر منع توزيع نسخ للمجلة في عدد من الدول الأفريقية، في حال وجود موضوع مقلق للسلطات، وحدث هذا في الجزائر مع رئاسيات عام 2014، وفي حوار مع القيادي بالجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مزراق، بالإضافة إلى المنع في دول أفريقية أخرى في كوت ديفوار والكونغو الديمقراطية.

إذاعة فرنسا الدولية «RFI»

كما تعتبر إذاعة فرنسا الدولية، أحد الأدوات الإعلامية ذات الامتداد العميق في القارة الأفريقية، وبالإذاعة قسم أفريقي نشط للغاية، وبها أكثر الإعلاميين خبرة وتمرسًا بالشأن الأفريقي الفرانكفوني، واعتمد القسم منذ عام 1981 بتمويل خاص من وزارة الخارجية الفرنسية. كما تعتبر إذاعة أفريقيا رقم واحد «Africa n1» التي انطلقت عام 1981 بتمويل فرنسي أحد المحطات الهامة لفرنسا في المنطقة كذلك.

الإذاعة الدولية الفرنسية ذات الموقع المتحدث بأكثر من 12 لغة عالمية، تحولت عبر التاريخ إلى أداة تأثير ودعاية إعلامية، كما كان الأمر لدى الألماني جوزيف غوبلز في الهيمنة على عقول المجتمعات وتكرار الأفكار والحوادث، وتوفير غطاء نفسي وجماهيري لممارسات أكثر فائدة للحكومة الفرنسية.

وبعيدًا عن فرنسا ذات البعد التاريخي الاستعماري، عرفت أفريقيا وسائل إعلام من دول أخرى ذات اهتمام بالقارة مثل موقع هافنغتون بوست الأمريكي التي خصصت منصة موجهة لأفريقيا، كما جاءت منصة للمغرب والجزائر باعتبارها مناطق وجهات أفريقية، بالإضافة إلى إذاعة سيدني هيد التي تبث من أستراليا خصيصًا لأفريقيا.

كما أطلقت مجموعة من المواقع ووسائل الإعلام الثقيلة كالقنوات، محطات خاصة بالقارة مثل بي بي سي البريطانية، وفرانس 24 باللغات الثلاث (الفرنسية، والإنجليزية، والعربية) بالإضافة إلى «تي في 5» الفرنسية الموجهة إلى أفريقيا كذلك، كما أن مجلات كثيرة ظهرت في السنوات الأخيرة مثل أفريقيا وآسيا وكذلك موقع سلايت أفريك، التابع للمجلة الإخبارية الأمريكية سلايت »Slate» الناشئة في 1996، وأطلقت النسخة الأفريقية عام 2011.

واستفادت الإذاعات والقنوات الإعلامية الدولية، من التضييق الإعلامي المفروض على المجتمعات المحلية، فقنوات مثل فرانس 24 توفر برامج للمدونين والنشطاء الأفارقة في بلدانهم التي تعيش تضييقا حكوميًا على حرية الرأي والتعبير، كما تلعب الإذاعات الدولية نفس الدور، وسمحت بالآراء التي تعبر عن معارضة الحكومات الأفريقية. وهو ما منح الإعلام الغربي إقبالا كبيرًا ومتابعة من قبل المشاهد والمستمع والقارئ الأفريقي.

ثلاث وظائف للإعلام الفرنسي في القارة

استفاد شارل ديغول من تواجده في بريطانيا، أثناء الحرب العالمية الثانية كثيرًا في نظرته تجاه أهمية الإعلام، فالرجل العسكري والسياسي ذو الشخصية القوية المعقدة اهتم كثيرًا بالعالم أثناء فترة حكمه لفرنسا، ولذلك تقوم فرنسا منذ منتصف القرن الماضي باستثمار أموال طائلة وكبيرة في الإعلام الموجه، وهذا لعدة وظائف وأهداف في غاية الأهمية نذكر منها:

الاستمرار في رؤية شارل ديغول تجاه أفريقيا، وهذا بتعزيز تواجدها في هيئة الأمم المتحدة من خلال دعم كبير لأكثر من عشرين دولة أفريقية، بالإضافة إلى المحافظة على الإستراتيجية الخاصة بالاستفادة من مادتي اليورانيوم والنفط في القارة. ويفصل كتاب ديغول وإنهاء الاستعمار في جنوب الصحراء في هذه الرؤية التي ما زالت تسير عليها فرنسا إلى اليوم.

تقوم فرنسا من خلال «SDECE» وهي وحدة معنية بمتابعة الأحداث الخارجية وتوثيقها وأرشفتها، كما تعمل على التجسس ومكافحة التجسس على المصالح الخارجية الفرنسية، وإلى جانب هذه الوظائف تنسق مع وكالة الأنباء الفرنسية وعدد من الأذرع الإعلامية على تنفيذ الانقلابات في الدول الأفريقية وما يسمى بالتضليل الإعلامي للرأي العام هناك حين تتعارض الحقائق مع مصالح فرنسا.

وتخبرنا تقارير غربية سابقة عن وجود أكثر من 22 رئيس ووزير أول أفريقي كانت فرنسا ضالعة في اغتيالهم، وذهب هؤلاء السياسيون ضحية لمواقفهم المعارضة لفرنسا أو مصالحها أو تقارير مغلوطة لمنافسيهم إلى باريس، وأحصت التقارير هذا الرقم منذ عام 1960 إلى غاية مقتل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي تحت راية الحلف الأطلسي ناتو.

كما تهدف السياسة الخارجية من خلال الإعلام إلى تعزيز دور مصالح الدولة الفرنسية باعتبارها مندوبًا للولايات المتحدة الأمريكية، والحفاظ على مصالح الغرب وجهود معسكر السيطرة الغربي على القارة، وهذا ما يفسره بعض المحللين من إطلاق يد قوات هذا المعسكر العسكرية على المستعمرات الأفريقية، والوقوف في وجه المد الشيوعي الذي كان يؤيد الحركات التحررية أثناء الحرب الباردة.

العرب في ميزان الإعلام الفرنسي

وتعاني دول عربية كذلك من وجود إعلام فرنسي قوي، وتحتل مونتي كارلو الدولية مكانة مرموقة، في الأوساط الإعلامية لدى أجيال القرن العشرين من المجتمعات العربية، وخاصة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحققت المحطة الفرنسية أرباحًا قُدرت بأكثر من أربعة ملايين دولار عام 1985 من الإعلانات، وهو ما جعلها تمول نفسها بذاتها.

ووجهت مونتي كارلو الدولية إلى الشعوب والحكومات العربية في ذلك الوقت، وأصبحت ذات صيت كبير لدى النخب العربية ولها متابعة مرتفعة، ومع تدهور أسعار النفط نهاية الثمانينيات تراجعت مداخيل الإذاعة من الإعلانات، وقامت الحكومة الفرنسية بشراء كافة أسهم الإذاعة وربطها بالقسم العربي لإذاعة فرنسا الدولية إلى الآن.

وعاشت مونتي كارلو الدولية صراعًا حول النفوذ والامتداد الإعلامي مع محطة الإذاعة البريطانية بي بي سي، وهو صراع يمتد إلى الأفكار واللغة بين الفرنسية والإنجليزية في مناطق حساسة مثل لبنان وسورية ومصر ودول شمال أفريقيا، خاصة مع بروز إذاعة البحر الأبيض المتوسط «ميدي 1 سات» كذلك عام 1980 بتمويل فرنسي ومغربي، المحطة تعتبر أحد الأدوات الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وتبث من مدينة طنجة المغربية باللغتين العربية والفرنسية.

ويبقى الإعلام الأفريقي المحلي ضعيفًا مقارنة بما هو موجود من استثمار دولي قوي المنافسة والتأثير، وقد بادرت مجموعة من رجال الأعمال في مالي والسنغال ونيجيريا وجنوب أفريقيا إلى إنشاء قنوات تلفزيونية وجرائد ومجلات بالإنجليزية والفرنسية مثل «All Africa»، من أجل الحد من التأثير الدولي على القارة، إلا أنه يبقى جهد ضعيف في مواجهة ما هو متاح من خيارات كثيرة للمواطن الأفريقي.

المصدر