كيف تخلص الرئيس ’’ولد عبد العزيز’’ من صانعي الانقلابات في موريتانيا

ظلت الانقلابات العسكرية هاجسا يؤرق الشعب والطيف السياسي الموريتاني لفترة طويلة بعد الإطاحة بالرئيس الموريتاني الأول المختار ولد داداه في انقلاب اعتبر حينها المخرج المشرف من حرب لا معنى لها بين الإخوة الأعداء.

ورغم اعتقاد البعض أن القرار طبخ فقط داخل البيت الموريتاني نظرا للعلاقة التاريخية بين الرئيس المؤسس والدولة الفرنسية، فإن اللمسات الأخيرة لاعتقال الرئيس وتغيير النظام كانت بأيادي فرنسية، لم تغفر للرئيس تأميم أكبر شكة للمناجم “ميفارما”، والخروج من النفوذ الإقتصادي الفرنسي في غرب إفريقيا، وانتهاج سياسات لا تتقاطع مع مصالح الكولونيالية، حيث كان ولد داداه مؤثرا على القادة الأفارقة ورقما مهما ضمن قادة دول عدم الانحياز.

دخول هاوي جديد

ولنفس الأسباب سواء من خلال التأثير المباشر أو بمباركة مسبقة، سقط جميع رؤساء موريتانيا كحجارة “الدومينو”، ليبقى لغز سقوط الطائرة الرئاسية التي كانت تقل الرئيس ولد بوسيف، طي الكتمان بين دول محور “فرنسا المغرب والسنغال” التي ينفذ بعضها سياسات خاصة به، ضد موريتانيا، ويأتمر بعضها الآخر بأوامر أسياده.

ومن داخل هذا الثلاثي خرجت دولة من عباءتها لتكون فاعلا قويا يؤازر التوجه الفرنسي بل ويحاول أن يخطط وينفذ هو أيضا جزءا من اللعبة ويتعلق الأمر بالمملكة المغربية، التي لم تكتفي بالتخطيط لعملية تغيير محلية، بل ودعمت أنقلابيي 16 مارس لقلب نظام الحكم بالقوة، لكن العملية لم تكلل بالنجاح لأنها لم تنسق مع حاضنة سياسية أو عسكرية محلية رغم ما كانت البلاد تعيشه من تنكيل وتكريس لنظام الفرد.

وبطبيعة الحال رأت فرنسا أنها لا يمكن أن تقف موقف المتفرج خاصة وأن الرئيس ولد هيدالة يسعى للهروب من الضغط الداخلي، بقرارات لا تروق للأليزيه مثل تطبيق الشريعة، والتقارب مع أنظمة عربية حاول استنساخ ثوراتها ونظامها في الحكم، من خلال هياكل تهذيب الجماهير التي كانت تحاكي باستحياء اللجان الشعبية في ليبيا، رغم كونه العدو اللدود للتيار القومي ومن قام بتصفية واعتقال العديد من رموزه.

إلى هنا قررت فرنسا أن تنهي نظام الرئيس ولد هيدالة، وكعادتها بحثت عن الشخص الذي ترى أنه صالح لتطبيق اجندتها خاصة وأن الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع لم يكن لديه طموح سياسي ولا تربطه علاقات بدوائر النفوذ في دول ترى فرنسا أنها تسعى لمنافستها، رغم التناغم الذي يطبع سياستها اتجاهها.. وانتظرت حتى مغادرة ولد هيدالة إلى “بوجنبوره” لتعطيه الأمر بالتنفيذ.

في البداية اعتقدت باريس أنها نجحت أخيرا في اختيار حاكمها لإقليم موريتانيا، لكن الرئيس ولد الطايع سرعان ما اختار الانكفاء على نفسه وانتهاج سياسة المهادنة التي كان للكادحين دور فاعل في تبنيها، وعمل على أن يغض الطرف عن عمليات ضخت المزيد من السيولة في الدورة الاقتثادية، وتراجع نفوذ الدولة في وجه سطوة رجال الأعمال والقبيلة، بل إن ولد الطايع عمل لاحقا على إنهاء التفرنس الفعلي، فكان أول رئيس موريتاني يلقى خطابا رسميا باللغة العربية.

وتسارعت الأحداث وشرعت باريس في الضغط على نواكشوط، وكان اعتقال الضابط الموريتاني اعل ولد الداه بمذكرة توقيف صادرة من القضاء الفرنسي القشة التي قصمت ظهر البعير، فأنهى ولد الطايع التعاون العسكري بين البلدين وأمهل العسكريين الفرنسيين الذين كانوا يشرفون على التدريب في المدرسة العسكرية بـ “أطار” مهلة ساعات للمغادرة.

إلى هنا تقرر وبشكل رسمي إنهاء حكم معاوية، وبدأ التخطيط من خلال نفس المحور “باريس الرباط داكار”، لكن وقبل أن يشرعوا في التنفيذ من خلال عملائهم الذين لا شك أن نفوذهم كان قويا على المؤسسة العسكرية، تم خلط الأوراق وفوجئوا بمحاولة انقلابية لم يخططوا أو يدبروا لها، يقودها ضابط سابق لم يعد يخدم المؤسسة العسكرية، كانت موريتانية خالصة، وهنا استشعر الخطر، يبدو أن البلد لم يعد ضمن النفوذ وسينتهي قريبا دورالآخر في صناعة قراره السياسي.

سبقك إليها عكاشة

وقبل أن تتبلور الصورة لدى “المحور” كان ضباط من داخل المؤسسة العسكرية قد استوعبوا لأول مرة أن الرئيس ولد لطايع ليس بالرئيس الخالد، وان الثامن من يونو، كسر بيت الزجاج الذي كان يحتمي به ومن رابع المستحيلات إعادة ترميمه.

هكذا إذن نجح أول انقلاب محلي دون أن تكون لباريس والرباط دورا في صناعته، وكان الرئيس ولد عبد العزيز الذي أحدث بشخصه قطيعة مع جيل الضباط المكتتبين في الحقبة الاستعمارية، هو محور هذا الانقلاب والدينامو المحرك له، ولأنه لم يأخذ شرعيته من الخارج، كان ذكيا في تقربه من الشعب من خلال حمل شعارات تحارب الفقر والفساد، بل ونزل ليسير وسط الجموع الشعبية في أحياء لم يروا الرئيس سابقا إلا من وراء حجاب.

ولأن المؤسسة العسكرية كانت هي يد فرنسا الباطشة قام الجنرال ولد عبد العزيز، بترميم البيت العسكري من الداخل، ووضع ثقته في خريجي المدرسة العسكرية بمكناس، خاصة زميل الدراسة الفريق محمد ولد الشيخ محمد احمد ولد الغزواني، الذي يوصف بالضابط الغامض، ليقينه أن مرجعيتهم محلية بحتة، فقد خبره لسنوات، ولم يتمكن المغرب من تجنيدهم لصالحه.

ومن هنا بدأت عملية تحييد الأدوات الانقلابية التقليدية، وتم تحسين وضعية المؤسسة العسكرية وجعل قادتها  في وضعية مادية مقبولة، وزيادة رواتب المجندين، واقتناء معدات عسكرية أعادت للقوات المسلحة هيبتها، بعد أن أصبحت تحمي كل شبر ضمن الحوزة الترابية الموريتانية.

لاحقا قام الرئيس ولد عبد العزيز بتقليص نفوذ بعض الحركات السياسية  بعد أن أبعد الكادحين لأول مرة، وقرب القوميين لكن دون أن يرتمي في أحضانهم أو يسمح لهم بتوجيهه.

اعتقد المراقبون للشأن السياسي أن أيام الرئيس ولد عبد العزيز لن تكون طويلة في السلطة بعد أن قام بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني وتتالت بعد ذلك أزمات داخلية لكن كان في كل مرة يتجاوز كبوته وهو أكثر قوة، وتمكن من الإلتفاف على خصومه السياسيين.. هذه النجاحات دفعت بعض الأوساط اشعبية إلى القول بالعامية المحلية “عندو ش أمع مولانا”، بل إن دبلوماسيا عربيا قال نفس العبارة، بعد حادثة رصاصة اطويلة.

عزل الطابور الخامس

لا أحد كان يتصور أن حاكما موريتانيا بإمكانه أن يبقى في السلطة وهو ينتهج سياسة خاصة وفي منأى من دول محور “باريس الرباط داكار” لكن الرئيس ولد عبد العزيز كان ينافح عن السيادة الموريتانية في كل مرة تحاول إحدى هذه الدول الثلاث انتهاكها، الأمر الذي جعلها مجتمعة بعيدة عن حالة الود التي دأبت الأنظمة الموريتانية على انتهاجها معها، وبطبيعة الحال كانت دائما على حسابها، مثل التدخل الفرنسي المغربي في الشؤون الداخلية الموريتانية، ومحاولة إملاء ما ينبغي وما لا ينبغي على القصر الرمادي، وفي الجانب الآخر السنغال تحتضن حركة افلام وينتهك صيادوها المياه الإقليمية الموريتانية، كل ذلك لم يعد جائزا، لقد تم حشر ردة فعل البلدان الثلاث في زاوية ضيقة، حتى ورقة حقوق الإنسان التي كانت فرنسا تستغلها للضغط على موريتانيا أصبحت في خبر كان، بعد أن ظهرت في ظل الرئيس الحالي منظمات مثل “إنصاف” تطالب باريس بتعويض موريتانيا عن الجرائم التي ارتكبتها في حقبة الإستعمال، خاصة وأن جميع الشعارات التي ترفعها فرنسا في هذا المجال للضغط على موريتانيا، أصبحت مفلسة، لأنها هي التي أصمت أذنيها عنها وخلفتها تركة ثقيلة على الدولة الموريتانية، ومن أبرزها قضية العبودية، التي حرمتها فرنسها في الأربعينات من القرن الماضي وانسحبت 1960 عن هذه البلاد دون أن تعاقب موريتانيا واحدا لارتكابه هذا الجرم، وهي التي كانت تعاقبهم على عدم دفع الإتاوات.

لقد فرض الرئيس ولد عبد العزيز على صانعي الانقلابات في موريتانيا مبدأ الاحترام المتبادل، ولم يعد الخلاف مع باريس والرباط مؤشرا على قرب زوال النظام في موريتانيا، بعد أن تم عزل الطابور الخامس.

م نعمه عمر

المصدر