أحمد عمر.. قراءات ثابتة وحديث مع بنات الخيال

يقول مؤلف “مقصوف العمر” إن قراءاته في رمضان لا تختلف عن غيره من الأشهر، بما فيها الأشهر الحرم، وهي عادة كتب من التراث، وعودة بين الفنية والأخرى لتفاسير القرآن ودراسات حول السير ة النبوية وسير الشعراء والأعلام وقصص العرب.  وفي ما يلي مساهمة الكاتب في هذه السلسلة الحوارية:

قبل الحديث عن الكتب، وهي طعام الرأس لا بد من الحديث عن الطعام، وقد تحول شهر رمضان إلى شهر أطايب البطن وأطايب العين، خلافا لما أراده الشارع، فكل شيء يمكن أن ينقلب إلى ضده إذا زاد عن حده، وليس أسوا من التخمة.

جاء في الحديث الشريف “ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه”، وأقرأ يوميا عشرات الوصفات الطبيعية عن علاج الأمراض، لكن جميع الوصفات تنسى وصفة أساسية هي: الصيام، والصيام الطوعي شاق، وشهر رمضان شهر مكتوب، “كما كتب على الذين من قبلكم”، شهر هداياه هي من أثمن الهدايا: أولها الزمن.

فهو شهر يطيل عمر الإنسان بالمعنيين، معنى الصحة وغسل البدن والروح من أدرانها وآثامها، ومعنى المدّ في عمر الإنسان، فنحن نهدر الكثير من الوقت في إعداد فطور الصباح وطعام الغداء، ونقضي اليوم في شرب الشاي والقهوة.. وغراماتها وأثقالها ودفع أقساطها في الحمامات.

الصيام غايته وطموحه جعل الصائم ملاكا أو قريبا إليه.

يصير يومي في رمضان طويلا، وسهلا على التبويب والترتيب، لكن ليل رمضان نهار آخر، يصير مزدحما بالزيارات والأصدقاء والأهل، ويضطرب فيه النوم، فهو شهر كفاح ومشقة وتشويق أيضا. تقلُّ في الليل القراءة لصالح التلفزيون اللص الذي يسرق الأعمار والأوقات.

وقبل دخول الألفية الثالثة كنت أتابع عددا من المسلسلات الضاحكة، لكني أقلعت عن متابعتها نهائيا، وقبل أيام فقط حضّني صديق على متابع مسلسل تاريخي، فشاهدته كله في ليلة واحدة، وكان اسمه “ربيع قرطبة“، ولم أنجح في متابعة مسلسل أرطغرل. لقد حوّله المؤلف إلى مرق الأرنب.

يزداد استحواذي على وقتي في رمضان، فالوقت كالعبد الآبق، بعد أن كان يذوب مثل الثلج على شمس الاستواء أو مثل الزبدة المعدة للقلي. قراءتي تتحسن في رمضان، والكتب الورقية قليلة في المنفى الذي أقيم فيه، والقراءة على ألواح الزجاج الإلكترونية البلازما، تجعل عيني تدمعان من فرقة الورق ومشاكسة الضوء والبريق، وبعض الورق الصقيل كان مذموما لأنه يعكس النور ويلمع.

أبكي من القراءة على ألواح الكمبيوتر والآيباد، وكأني فقدت حبيبتي، وعلى مثل الكتاب الورقي تبكي البواكي، وأندم كثيرا على هدر وقتي في روايات كتبها أميون، مرضى الخيال، سقيمي الفكر، نالوا جوائز من مؤسسات مبنية مثل مدن الملح، ومؤخرا كنت أقرأ رواية “أقاليم الجن” لسليم بركات وهو أحد كتابي المفضلين، فتعبت، بعد سبعين صفحة، ولما يبدأ الحدث بعد في الرواية، وهي المرة الأولى التي يشقّ فيها علي قراءته، على جمال عبارته وإغوائها للقارئ.

إن أول كلمة نزلت وحياً من الله، كانت كلمة “اقرأ”. الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة نص كما في أقوال المصنفين والمفكرين والباحثين، وقراءاتي عادة أكثرها تراث، أعود بين الفينة والأخرى إلى تفاسير القرآن وأقرأ ما يقع تحت يدي من دراسات حول السيرة النبوية وسير الشعراء والأعلام وقصص العرب، لذلك لا تتغير قراءاتي في رمضان عن إخوته من الأشهر، بما فيها الأشهر الحرم.

قراءاتي اليومية منتخبات من خمس صحف يوميا، واطّلع على مختارات الأصدقاء في الصفحات الزرقاء، وتستغرق مني ساعتين يوميا، بعض الناس يغرق في حبر التعليقات المتشابهة على صفحات المشهورين، وبعضها ملهم حقا، التراث ليس منفاي إنه وجبتي المفضلة اليومية.

استطعت الحصول على سبع روايات لسليم بركات، اشتريتها لأول مرة عبر النت، وهي التي لم أطلع عليها، وأنا متابع لكتابته كلها، ربما لأنه ابن بلد، وسيرسل لي الصديق محمود الزيبق من وراء أعالي البحار رباعية “حوارات مع عبد الوهاب المسيري” لسوزان حرفي، صدرت عن دار الفكر الدمشقية، وتمنيت لو كنت اصطحبتها معي، ففيها حاصلة فكره، وملخص مسيرته، ورؤاه، أحبها ورقيا.

وسأعيد قراءتها وألون أهم أفكارها بالألوان، أنا أعود إليها عندما أحتاجها للاستشهاد بها في نصوصي ومقالاتي. المسيري وهو أحد اهم أساتذتي، على الإطلاق.  كنت أتوه كثيرا في تفسير معركة الحداثة مع الأصالة فبيّنها لي، فرحمة الله عليه من رجل أصيل. وأطلع بين الفينة والأخرى على الرقائق إذا سمكت روحي وغلظت، وأخبار الصالحين والفاضلين.

أما منصات القراءة فما أكثرها، وقرأت مؤخرا عن صحيفة عربية لن تسمح للقارئ الاطلاع عليها إلا بالمال المدفوع سلفا، وهذا أمر مضحك، في زمن انفجار المعلومات وإتلافها لوقت الإنسان. يقولون إنّ عمر الإنسان طال مع تقدم، أنا أزعم أنه قصر وسيأتي البرهان في مقال، فما الذي ستخبرنا بها: أسرار الكاس الذهبية، سرّ تحويل الحجر إلى ذهب، اكتشف جواب سؤال الروح، خريطة توحيد الأمة العربية…؟

وكثيرا ما تقول زوجتي لمن يسأل عني من الأهل والأصدقاء باستهانة: “ع الكومبيوتر”، فأكتم غضبي، وتستغرب من غضبي المكتوم، على ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس، فأقول لها: إنني أقرا، وأنفذ أول وصية نزلت من السماء، فتقول لي: أنت تتحدث مع المعجبات على سواحل الفيس، وهي تظنُّ أن زوجها ترافولتا …العليا، فأقول مدافعا عن نفسي: أتحدث مع بنات خيالي.
–  وهن يثرن الغيرة .
وكان رسول حمزاتوف يقول لزوجته التي تطلب منه أن ينهض ويقوم بعمل ما، فيقول: أنا أعمل..
–  وماذا تعمل؟
– فيقول: أنا أحلم.