“نقاوم الصهيوني” عبارة شارك بها كوميدي فرنسي بأحد المهرجانات

 مشاركة الممثل الكوميدي الفرنسي من أصل تونسي ميشال بوجناح في الدورة 53 من مهرجان قرطاج أثارت جدلا وانقساما واسعا في تونس حتى الساعات الأخيرة قبل العرض. فقد دعا مؤخرا ناشطون وجمعيات مدنية وحتى المركزية النقابية الحائزة على جائزة نوبل للسلام -الاتحاد العام التونسي للشغل- إلى إلغاء العرض الذي بيعت تذاكره في وقت قياسي. لكن الجدل لم يمنع بوجناح من أداء عرضه في 19 يوليو/تموز أمام جمهور غص به متحف قرطاج.

قام جدل واسع في تونس أذكته مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن صعدت إلى الواجهة مواقف مناصرة “للقضية الفلسطينية” ومناهضة للتطبيع مع إسرائيل، ترى أن استضافة الفنان الفرنسي الذي تتهمه عدة صفحات وشخصيات تونسية بدعمه للدولة العبرية وجيشها وللحركة “الصهيونية”. من جهتهم دافع آخرون عن المسرحي التونسي الأصل، صاحب المواقف المساندة لتونس خلال إطلالاته الإعلامية، والمدافعة عن “ثورتها” التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011.

على مواقع التواصل عمل المعسكر الثاني على التأكيد بأن في هذه الدعوة إلى المقاطعة استهداف لتونسي على خلفية ديانته اليهودية في بلاد نص دستورها على أن “الإسلام دينها”. لكن ذلك لم يمنع المعارضين لبوجناح من مواصلة التصعيد رغم تأكيد إدارة المهرجان الدولي، ثم القضاء التونسي، الإبقاء على العرض في موعده.

يرفضون عرض بوجناح بسبب موقفه السياسي

في مقر تابع لوزارة الثقافة في تونس العاصمة التقينا عشية العرض مجموعة من المواطنين كانت تطالب بلقاء وزير الثقافة التونسي وأتت تحمل علما فلسطينيا في خطوة لإثنائه عن إقامة العرض. وقال لنا غسان بن خليفة الذي كان من بين الحاضرين إنهم يشاركون في الحملة التونسية لمناهضة التطبيع مع إسرائيل وإنهم أتوا للتعبير لوزير الثقافة التونسي بشكل مباشر عن موقفهم الرافض لدعوة “الصهيوني ميشال بوجناح”.

الناشط التونسي يؤكد أن لا علاقة للدعوة إلى مقاطعة ميشال بو جناح وعرضه بديانته اليهودية، بل أن مواقفه المساندة لإسرائيل ولجيشها هي التي تثير حفيظة المدافعين عن القضية الفلسطينية، مضيفا أن الدافع الرئيسي لهذه المقاطعة أخلاقي وسياسي بحت وأن بوجناح “صهيوني” يدافع عن إسرائيل في إطلالته الإعلامية في القنوات الفرنسية. وتابع غسان بن خليفة أن بوجناح كان طيلة حكم زين العابدين بن علي يلتزم الصمت بل وأكثر من ذلك كان من بين الشخصيات المدافعة عن الرئيس السابق ونظامه.

ضغوط خارجية لإقامة العرض رغم الجدل؟

أوضح الشاب أن بوجناح لم يكن أبدا من المنددين بالديكتاتورية في تونس وانتظر يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011 للتعبير عن مساندته لتونس، أي بعد فوات الأوان حسب قوله، فصرح “لا مشكل لدينا مع جنسية ميشال بوجناح التونسية… مشكلتنا الرئيسية مع مواقفه السياسية المناصرة للحركة الصهيونية. ولا مشكلة مع فنه فنحن لا نسعى إلى فرض رقابة فنية بل لنا مشكلة مع الدور السياسي الذي يلعبه بوجناح ودفاعه عن احتلال فلسطين”.

ثم قال “بما أن تونس هي التي تدفع مصاريف هذا العرض وبالعملة الصعبة فمن حقنا مطالبة الدولة التونسية بالتراجع عن إقامة العرض حتى قبل لحظات من الموعد المقرر، وسنبقى على مطالبنا حتى آخر لحظة”. وأضاف “هناك ضغط خارجي لإقامة العرض. بحسب الدوائر المحيطة بوزير الثقافة هناك سفير أجنبي أصر على إقامة العرض. أردنا شراء تذاكر العرض لكن لم نتمكن من ذلك، كل التذاكر بيعت في وقت قياسي.. هذا الشخص (بوجناح) لا يحق له أن يقف أمام التونسيين في قرطاج”.

عرض مسرحي وسط إجراءات أمنية مشددة

العرض الذي احتضنه متحف قرطاج مساء 19 يوليو/تموز، سبقته إجراءات أمنية مشددة، حيث انتشرت العشرات من عربات الشرطة على الطريق المؤدية إلى المسرح المفتوح قرب كاتدرائية قرطاج، ومنعت قوات الأمن الكثيفة الناس من الوصول إلى محيط المتحف دون إظهار تذاكر العرض تجنبا لدخول عناصر غير مرغوب فيها.

رغم ذلك تجمع قرابة المئة شخص قرب المدخل الرئيسي للمتحف في مظاهرة حملوا فيها أعلاما فلسطينية ولافتات تندد بالممثل الفرنسي وبمواقفه السياسية وتصفه بالـ “صهيوني”. أيوب عمارة كان من بين الحاضرين أمام المسرح وقال إن جو الديمقراطية وحرية التعبير يسمحان له اليوم بالتعبير عن رفضه لعرض بوجناح بعد تمجيده للجيش الإسرائيلي، ويؤكد أنه فوجئ بتنظيم عرضه في تونس، مشيرا إلى أن الأمر لا يتعلق بدينه بل بمواقفه “الصهيونية”.

مؤيدو بوجناح: الجدل زاد من رغبتنا في حضور العرض

داخل مسرح المتحف كانت الأجواء مختلفة واتسمت بهدوء أكبر واللافت غلبة الحضور النسائي على الجمهور والذي بدى انتمائه لنخبة اجتماعية ميسورة، وتميزت السهرة أيضا بحضور وجوه ثقافية معروفة.

آية بكوش، والتي تعمل في مجموعة نفطية عملاقة، معجبة بميشال بوجناح وبعروضه. أرادت آية حسب تصريحاتها حضور هذه المسرحية خاصة بعد الجدل الذي أذكى رغبتها في ذلك، لاكتشاف رد فعل الممثل التونسي الأصل وأيضا للتمتع بهذا العرض وبروح ميشال بوجناح المرحة. وأشارت أيضا إلى أن الحصول على التذاكر لم يكن سهلا أبدا.

السفير الفرنسي في تونس: الجدل حول عرض بوجناح مؤسف ولا يشبه تونس في شيء

السفير الفرنسي في تونس أوليفييه بوافر دارفور صرح لنا ردا على سؤالنا حول الجدل الذي أحاط بعرض ميشال بوجناح في قرطاج، بأن تونس أظهرت قدرا وافرا من التسامح بتنظيم هذا العرض، لكن الجدل الذي أحاط به لا يمت للتقاليد التونسية المتسامحة ولا لتونس التي يعرفها وهو أمر مؤسف فعلا حسب قوله. واستغرب السفير أن تدخل الأحزاب السياسية والمنظمات العمالية في شؤون الفنانين الذين يتمتعون بكل ما تكفله حرية التعبير. فأشار إلى أن هذه الحرية هي ما اختاره التونسيون من خلال ثورتهم في 2011 إذ لا رجوع إلى الوراء -في إشارة لعهد بن علي- وتابع أنه لم يبق لنا الآن سوى التمتع بهذا العرض المتميز لفنان متميز.

عرض ميشال بوجناح “حياتي المنشودة” الذي دام ساعة ونصف الساعة وتضمن عرضا لعدة شخصيات تمازج فيه الجانب الشخصي “السيرة الذاتية” بالمثالي المنشود. كما تضمن أيضا ردودا سريعة ومبطنة من الممثل بشأن هذا الجدل حيث ذكر أصوله “العربية اليهودية” على حد تعبيره ودعى مرارا للسلام والحب… ولم يخف تأثره عند حديثه عن ذكريات طفولته البعيدة في تونس.

المصدر