التنمية البشرية: تلاعب بالكلام، وبيع للهواء.. (المرحوم ابراهيم الفقي نموذجا)

هل يمكن أن يباع الهواء في قوارير حقًا؟

وفقًا للعلم فإنّ الكرة الأرضية وجميع ما حولنا على هذا الكوكب ممتلئ وليس فارغ تمامًا، لكنه مملوء بالهواء، وإذا افترضنا أنّك قمت بإغلاق قارورة فارغة ففي الحقيقة هي ليست فارغة، بل تحتوي بداخلها على جزيئات الهواء. لكن بماذا تفيد القارورة الفارغة لأصحابها؟ بالطبع لا شيء.

التنمية البشرية الهراء الذي ملأ فضاء الكوكب جيل بعد جيل، وتناقلته شعوب بعد أخرى، ولازال حتى الآن هناك مؤمنون كثر بأنّ التنمية البشرية علم، وفي حقيقة الأمر هذا الأخير أكثر ما يؤلمني شخصيًا.

اليوم نفتح ملف التنمية البشرية مرة أخرى وبصورة أكثر إثارة للضحك والسخرية والحزن؛ الحزن بسبب أنّ عقولنا يسهل التلاعب بها بطريقة سريعة نتيجة انعدام المنهج العلمي، والتفكر المنطقي من الحياة العامة للأفراد!

قبل الحديث عن أي شيء فضلًا القِ نظرة على هذا الفيديو…

المرحوم إبراهيم الفقي يعتبر من أبرز الشخصيات العربية التي تبنت فكرة التنمية البشرية من خلال إلقاء محاضرات تنحصر دائمًا في زاوية “التغلب على الأشياء” مثل التغلب على الاكتئاب، الكسل، المشاكل، … إلخ حتى تصل للنجاح في نهاية المطاف.

بلا شك أنّ المرحوم إبراهيم الفقي قدم محتوى جيد من النصائح والإرشادات يمكن أن يساعدهم في مشاكلهم بشكلٍ أو بآخر، لكن الخطأ هو أنّ الأمر تمادى وأصبح أكثر من مجرد نصائح حتى وصل إلى اعتبار بعض مفاهيم التنمية البشرية – وهي ذاتها – علمًا، وهذا ما نحاول إبرازه في هذا المقال!

شهادات ودبلومات كثيرة

في سيرته الذاتية نجد أنّ المرحوم إبراهيم الفقي قد حصل على شهادة في “الميتافيزيقا” من جامعة ميتافيزيقا بلوس أنجلوس في أمريكا. بإلقاء نظرة صغيرة على تلك الجامعة نجد أنّها ليست جامعة على الإطلاق؛ وإنّما هي مجرد مؤسسة أو شركة تطلق على نفسها اسم “جامعة”، ويمكن أن تلاحظ ذلك الأمر من خلال الدخول على موقعها الإلكتروني الذي ينتهي نطاقه بـ com أي “commercial” تجاري، وليس .edu تعليمي كحال كافة المواقع الإلكترونية للمؤسسات التعليمية في العالم.

أيضًا يتطلب الحصول على شهادة البكالوريوس الواحدة أربع أو خمس أو ست سنوات حسب التخصص الذي تتعلمه، مصحوبًا بالعديد من الضغط النفسي والعصبي والمذاكرة والدراسة المستمرة، بينما تستطيع الحصول على عدة شهادات معتمدة ودبلومات في التنمية البشرية في تخصصات متنوعة في مدة زمنية لا تتعدى الشهرين، وبكل تأكيد ليس لتلك الشهادات أي مصدر موثوق سوى الجهات والمؤسسات التي تصدرها.

وفيما يخص ذلك تحديدًا أنشأ إبراهيم الفقي أربعة مراكز في التنمية البشرية هو وتابعيه وحدهم المسؤولون عنها. يمكن أن تجدهم ببساطة في بحث على جوجل.

نأتي للأمر الأكثر استفزازًا وهو اعتبار كل هذا الهراء علمًا، وفي سيرته الذاتية أيضًا نجد أنّ الفقي هو مؤلف لعلم “ديناميكية التكيف العصبي، وعلم قوة الطاقة البشرية”.

ببحث صغير على محرك البحث العلمي لجوجل Google Scholar نجد أنّ نتيجة البحث عن العالم ابراهيم الفقي؛ صـفر. أي ليس هناك علمًا في هذه القضية.

معلومات علمية خاطئة

ذكرنا أنّ التنمية البشرية نفسها ليست علمًا، ومع ذلك هناك معلومات يرددها كثيرون بأنّها علمية رغم خطأها.

العقل يستخدم 10% فقط من قدراته

أشهر معلومة خاطئة ذكرها «ديل كارينجي» في كتابه “كيف تؤثر في الناس وتكسب الأصدقاء”، وأنّه وفقًا لتلك المعلومة فإنّك إذا وصلت للـ 99 أو 100% من قدرات عقلك، فإنّك ستتحول لتنين مُجنّح يجوب البلاد ويتحكم في قوانين الطبيعة، وإطلاق الأحكام وتقرير مصير شعوب.

هل تذكرتم هذا المشهد؟ بالطبع هو فيلم «لوسي – Lucy» الذي اعتمد كليًا على تلك المعلومة العلمية الخاطئة!

وإذا نظرنا للمعلومة بشكل علمي والتي تفنّد جميع هذه الترهات، ففي تقرير لمجلة «ساينتفيك أمريكان – scientific american» يقول الدكتور «جون هينلي» طبيب الأعصاب في عيادة مايو كلينيك في روتشسترمِن :

“تظهر الأدلة المأخوذة من تقنيات التصوير للدماغ بأنّ الدماغ يظل نشطًا على مدار اليوم، ويستخدم طاقته كلها أي بنسبة 100% حتى في النوم، ويظل نشطًا في مناطق مثل القشرة الأمامية للدماغ التي تسيطر على أشياء مثل التفكير على مستوى أعلى والوعي الذاتي، أو المناطق الحسية الجسدية، والتي تساعد الناس على الشعور بمحيطهم”.

ماذا حصد؟

رحل الفقي ولم يرحل معه كل ما أتى به إلى هذا العالم البائس، وازداد الأمر بؤسًا مع تطور متبّعيه وتطور آلياتهم التي تفننوا من خلالها في النصب والضحك على عقول شريحة كبيرة من البشر خاوية الأنفس تريد من يخبرها أنّ النجاح أو الطمأنينة قد يأتيانك بعد حضور محاضرة، أو دورة أو مهرجان في التنمية البشرية.

وبخصوص كلمة مهرجان التي انتشرت مع فعاليات التنمية البشرية الحديثة، فرأيي الشخصي حضور مهرجان غنائي أو شعبي مقزز يمكن أن يجدي نفعًا ويجدد حياتي، ويزيح عني كافة الطاقات والأفكار السلبية والشيطانية التي تراودني، بدلًا من حضور مهرجان يخبرني فيه أحدهم بمعلومات أعرفها مسبقًا!

السحرة الأشرار

أقل ما يطلق عليهم؛ هم نماذج من البشر ممن نهجوا نهج النصب والسخرية من العقول، ورأوا أنّ لديهم مهارة تواصل وكلام معسول إن صح التعبير، ثم قرروا أنّهم سيعطون دروسًا في كيفية النجاح، والتغلب على الأشياء أيضًا.

في هذا الفيديو؛ يمكنك معرفة حقيقة هؤلاء السحرة الأشرار…

ممارسات أخرى؛ تمارين الأيروبيك هي الأفضل لك

ليس عنوانًا دخيلًا على الموضوع. لكن هل فكرت يومًا لماذا تشترك في صالة رياضية؟

كثير من الناس يرون أنّ الرياضة أسلوب حياة، وهناك آخرون يمارسونها لإنقاص والحفاظ على أوزانهم، وهناك فئة ترى أنّ الرياضة هي أحد العوامل التي تقلل من الشعور بالاكتئاب، والتفكير المستمر وتجدد النشاط والدورة الدموية.

جميع ما سبق له فائدة كثيرة عليك، وإذا لم يكن لديك الوقت الكافي للاشتراك والذهاب لصالة رياضية يمكنك أن تمارس تمارين الأيروبيك في غرفتك، ويمكنك أيضًا أن تجد هذه التمارين في مئات الفيديوهات على يوتيوب.

قد تتساءل ما علاقة الأيروبيك بالتنمية البشرية، أو ما نتحدث عنه اليوم؟ الإجابة تتمثل في هذا الفيديو:

إذا دققت في الفيديو ستجد أنّ هناك تشابه بين بعض حركات الأيروبيك وبين ما يفعله هؤلاء النصابون – ولا خلاف على هذا اللقب – الذين يقومون بممارسات أشبه بشعوذة أو غسيل أدمغة جماعية للناس، ومن خلال استخدام موسيقى ملحمية Epic حتى يوهموك بأنّه قد تم علاج علّتك.

مع العلم أنّك فقط لو استمعت إلى بعض الموسيقى الملحمية أو الموسيقى الهادئة وأنت جالس في أي مكان، هذا كفيل بأن يحسّن من نظرتك للأمور، ويدفعك للتفكير بإيجابية.

وأخيرًا، وبمناسبة التفكير الإيجابي يبلغ سعر الدورة الواحدة من دورات التنمية البشرية – أيّ كان شكل ممارستها – مبلغ من المال لا يقل عن 200$.

فإذا توفر لديك هذا المبلغ يفضل أن تنفقه على رحلة سياحية برفقة أصدقائك، وهذا كفيل بأن يغيّر حالتك النفسية والفكرية للأفضل، أو تشتري بهم كتب متعددة في علم النفس والفلسفة، أو كتب علمية تتناول تطور التفكير البشري، أو تتعلّم به دورات تعليمية حقيقية ومتعددة على الإنترنت في مجالات جديدة مثل: البرمجة أو التسويق، أو ما يتطلبه العصر الحديث من مجالات، والذي يمكن أن يأخذك إلى مكان أفضل في وظيفة جيدة، وبهذا تكون قد أتممت عملية النجاح كاملة في شيءٍ ما حقيقي.

المصدر