كيف تصبح مليونيرا في افريقيا؟

حتى وقت قريب؛ كان الاقتصاديون يختزلون القارّة الأفريقية في صورة المنجم الكبير للمواد الأوّلية. أمّا اليوم، ومع توسّع الطّبقة الوسطى والثورة الرّقمية التي ردمت بعضًا من الهوّة السحيقة التي كانت تفصل بين القارّة السّمراء وباقي دول العالم؛ تغيّرت مُحرّكات الاقتصاد الأفريقي وتنوّعت بموجبها زوايا الإغراء الاستثماري في هذه القارّة الفتيّة.

من المعلوم أن نصف الدّول ذات مُؤشّرات النمو الأبرز في العالم هي دول أفريقية، وبحسب تقريرلمؤسسة «New World Wealth» والبنك الأفروآسيوي، تملك القارة 145 ألف مليونير يستحوذون على ثروات تُقدّر بـ800 مليار دولار، وشهد عدد المليونيرات الأفارقة بين سنتي 2000 و2014 ارتفاعًا قدّر بـ145%، وهذه النسبة تُساوي ضعف معدّل تزايد الأثرياء في باقي دول العالم والمقدّرة بـ73%.

ويشير التقرير ذاته إلى أن أغلب من التحقوا حديثًا بنادي الأثرياء الأفارقة هم المستثمرون الشبان الذين كوّنوا شركاتهم الخاصّة ونشطوا في مجالات ذات مردودية ربحية عالية في القارّة. وفيما يلي قائمة بأهم المجالات الواعدة في القارّة الأفريقية والتي قد تُساعدك على أن تُصبح مليونيرًا في السنوات القليلة القادمة.

1- الطّاقة الشمسية

أكثر من 600 مليون شخص في القارّة الأفريقية، من إجمالي 1.1 مليار نسمة، محرومون من التيار الكهربائي، بحسب تقديرات دولية أشار إليها «ألكسندر كاستل»، رئيس «ستايشن إينرجي»، وهو مجمّع يضطلع بطرح حلول مبتكرة لبلدان غرب أفريقيا (بوركينا فاسو وكوت ديفوار والسنغال)، من أجل تيسير حصول السكان على الخدمات الأساسية عبر الطاقة الشمسية.

وتُعدّ الطاقة الشمسية واحدة من أهم الموارد الطبيعية المُهملة في القارة السمراء، فعلى الرغم من أن أغلب دول جنوب الصّحراء تتمتع بأكثر من 300 يوم مُشمس سنويًا، ظلّ حجم الاستثمار فيها بهدف تجاوز التخلف الطاقي دون المأمول، وهو ما حرم عديد السّكّان الأفارقة القاطنين خارج شبكات توزيع التوزيع الكهربائي من الاستفادة من التيار الكهربائي. وبحسب تقرير لمجلة « afrique jeune entrepreneur»، سيكون الاستثمار في الطاقة الشمسية بهدف توفير التيار الكهربائي أحد أهم المشاريع التي ستضيف أثرياء جددًا في أفريقيا.

باتريك نغوي، هو شاب تنزاني انطلق في مجال الاستثمار وهو في سن الخامسة عشرة عبر تجارة الهواتف المحمولة برأس مال لم يتجاوز 50 دولارًا. ورغم ازدهار نشاطه التّجاري مورّدًا للهواتف؛ توجّه نغوي في سن الثانية والعشرين لمجال الطّاقة الشمسية لينشئ شركة « Helvetic   Solar Contractors»، بعد أن درس في إحدى الجامعات الصينية تكنولوجيا الطاقات المُتجدّدة، وليصبح أحد أبرز أثرياء أفريقيا الشبان، وليساهم في إنارة مساحات هامة من المناطق الريفية والقروية في بلاده.

لقاء صحفي مع باتريك نغوي.

2- صناعة الأغذية

رغم الإمكانيات الزّراعية الهائلة التي تتمتع بها القارة السّمراء، ظلّ إنتاجها الفلاحي والغذائي دون المأمول. وتتميّز أفريقيا بمواردها المائية الهائلة حيث تحتوي على 13 نهرًا، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات هطول الأمطار خاصة في المناطق الاستوائية وضخامة مخزونها من المياه الجوفية، وتُقدّر الطّاقة الكامنة للرّي فيها بأكثر من 42.5 مليون هكتار.

وتبلغ نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا 50% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في العالم، ومع توفّر اليد العاملة والطاقة الكامنة للري، من المنتظر أن تتحوّل أفريقيا إلى المُصدّر الأول للأغذية في العالم. ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي؛ من المنتظر أن ترتفع قيمة الصناعات الغذائية الأفريقية لتبلغ عتبة التريليون دولار في أفق سنة 2030.

3- الإنترنت

يعتبر سوق الإنترنت أحد الأسواق الواعدة خاصة في ظل حالة عدم التوازن بين مُختلف الدّول الأفريقية، وتبلغ نسبة الدخول للإنترنت في القارة السمراء 23.5% من إجمالي السكان أي في حدود 281 مليون نسمة.

وتبرز أهمّية هذه السوق من خلال تنافس شركتي فيسبوك وجوجل من أجل تحسين سبل نفاذ ملايين الأفارقة إلى الشبكة العنكبوتية، وأبرز ملامح هذا التنافس:

  • مشروع لوون (Project Loon) هو مشروع بحث وتطوير أنشأته جوجل مع بعثة خاصة لتوفير إيصال الإنترنت إلى المناطق الريفية والنائية. ويستخدم المشروع مناطيد على ارتفاعات عالية وضعت في طبقة «الستراتوسفير»على ارتفاع حوالي 32 كم (20 ميلًا) لإنشاء شبكة لاسلكية جوية تشبه تقريبًا شبكة الجيل الثالث 3G في السرعة.

  • جاء اسم المشروع (لوون بالإنجليزية تعني ساذجًا أو مجنونًا) من أن جوجل نفسها اعتبرت أن فكرة توفير وإيصال الإنترنت إلى 5 مليارات نسمة من السكان فكرة لم يسبق لها مثيل و«مجنونة».

فيديو يفسر فكرة مشروع لوون.

  • طائرة فيسبوك «Aquila» هي أحد مشاريع فيسبوك الذي تنافس به جوجل. واحتفل مارك زوكربيرج المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك، مُؤخّرًا، بنجاح أولى رحلات الطائرة بدون طيار التي تعمل بالطاقة الشمسية، وهو المشروع الذي بدأته فيسبوك قبل عامين بهدف توصيل خدمات الإنترنت إلى الأماكن المحرومة حول العالم.

فيديو لتجربة طائرة Aquila.

وساهمت أهمية هذا المجال في دفع بعض المُستثمرين الأفارقة لمحاولة الاستفادة من هذه السوق الواعدة. ومن بين أبرز التجارب نذكر شركة «BRCK» الكينية التي صممت مودم إنترنت مهيأ للعمل في المناطق الصّعبة والوعرة، ومزودًا ببطارية شحن تمكنه من الاشتغال لمدة ثماني ساعات دون الحاجة إلى وصله بالكهرباء.

ونجحت هذه الشركة في بيع آلاف الوحدات من منتوجها في مختلف الدّول الأفريقية، وفتحت أسواقًا أخرى بعيدة للتصدير مثل الهند، ويتم استعمال هذا المودم أساسًا في مدارس المناطق النائية. وتمكّنت الشركة من تحصيل استثمارات أجنبية بقيمة 3 ملايين دولار من أجل العمل على توسيع نطاق انتشار هذا الجهاز.

فيديو يقدم منتوج الشركة الكينية.

4- التعليم

تعتبر المجتمعات الأفريقية من أكثر المجتمعات الفتية في العالم – أكثر من 50% من الأفارقة سنهم دون 31 سنة – وهو ما يجعلها غنية بالكفاءات والمواهب الخام التي تحتاج صقلًا وتأطيرًا باعتبار أن جزءًا هامًا من هؤلاء الشباب ليسوا قادرين على الالتحاق بأنظمة تعليمية ذات جودة عالية.

وقد برزت مٌؤخّرًا مُؤسستان رائدتان في مجال التعليم والتكوين، الأولى هي مُؤسسة «Bridge»الناشطة في كينيا ودول أفريقيا الشرقية والثانية هي سلسلة مدارس «Omega» المنتشرة في غانا ودول أفريقيا الغربية. ونجحت كلتا التجربتين في بناء نظام تعليمي مرتكز على مدارس تعليم ابتدائي ذات كلفة منخفضة لا تتجاوز الدولار الواحد للشخص.

وفي إطار ما يعرف بنموذج الأعمال «talent-as-a-service»، برزت مُؤسّسة أخرى في الساحة الأفريقية وهي مؤسسة «Andela» والتي ساهمت عبر برنامجها التكويني المجاني والمهني في تخريج كفاءات لامعة في مجال تصميم التطبيقات والبرامج ذات التكنولوجيات الحديثة. وتمكّنت هذه المُؤسّسة مؤخرًا من جلب 24 مليون دولار كاستثمارات إضافية لتنمية أنشطتها في تكوين مطوّرين شبان أفارقة.

5 – الفن الأفريقي

قد يبدو الحديث عن الاستثمار في الفن الأفريقي للوهلة الأولى أمرًا غريبًا، لكن الغرابة ستزول حتمًا بعد الاطلاع على ما يلي:

في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2014؛ شهدت مدينة نيويورك أضخم عملية بيع منتجات فنية أفريقيةعتيقة تم تجميعها من مالي والغابون والكونغو وليبيريا. وتحصّلت شركة «Sotheby»  المتخصصة في الاتجار بهذه المنتوجات على مبلغ خيالي بلغ 41 مليون دولار وهي الصفقة الأضخم التي حققها بيع الفن الأفريقي في الولايات المتحدة الأمريكية.

في السياق ذاته، ومنذ سنوات قليلة؛ تم بيع عدد من التماثيل الخشبية للفنان النيجيري «بين إنونو» في العاصمة البريطانية لندن بمبلغ تجاوز 500 ألف دولار، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف السعر المنتظر من عملية البيع وقتها. وحاز الفنان الغاني، «إيل أناتسوي» على مبلغ 767 ألف دولار مقابل منحوتة من الألمونيوم والفضة، في صفقة هي الأكبر بالنسبة لمنتوج فني أفريقي أصيل.

بعد سنوات من الإهمال، أصبحت الأعمال الفنية الأفريقية المُعاصرة والقديمة محور صفقات ضخمة في أهم الأسواق الفنية العالمية، ليصبح مجال التجميع والسمسرة في مجال الآثار والتحف الفنية أحد

المجالات الواعدة والتي قد تضيف لنادي الأثرياء أثرياء جددًا.

6- التكنولوجيا المالية أو «فينتك»

التكنولوجيا المالية أو «فينتك» Fintech هي صناعة مكونة من شركات تعمل على تسخير التكنولوجيا لخدمة قطاع المدفوعات، وشركات التكنولوجيا المالية هي شركات ناشئة في العموم تتحدى الشركات التقليدية التي هي أقل اعتمادًا على البرمجيات.

ويعرفها مركز البحوث الرقمية الوطنية في دبلن، بأنها ابتكار في مجال الخدمات المالية، وبشكل أكثر تحديدًا، تستخدم شركات الـ«فينتك»غالبًا التكنولوجيا لمنافسة الأنظمة المالية الحالية. وتقدم التكنولوجيا المالية حلولًا وكذلك تطور الأدوات المالية التي تسيطر عليها البنوك، مثل التحويلات المالية وبطاقات الائتمان التجارية، وغيرها من العمليات، مع خلق بدائل جذابة وجهات رقمية سهلة الاستخدام.

وكان الظهور الأول البارز لـ«فينتك» عام 2008، بعد وقوع الأزمة المالية العالمية، وعمليات إنقاذ البنوك اللاحقة، وفضائح فساد المصرفيين التي شكلت نقطة تحول في قطاع الخدمات المصرفية، ومن ثم بدأ خبراء الصناعة والمستهلكين يشككون في مستقبل العمل المصرفي التقليدي، وتكشف استطلاعات منظمة جالوب أن 26% حول العالم فقط لديهم ثقة مرتفعة في المؤسسات المصرفية.

في أفريقيا، يُفضّل أغلب الناس استعمال «الكاش» بدل المرور بالعمليات البنكية الكلاسيكية نظرًا لرداءة الخدمات المصرفية. وساهم ضعف المنظومة البنكية في ازدهار خدمات الـ«فينتك» خاصة بعد نجاح خدمة M-Pesa في دول شرق أفريقيا والتي تتيح التصرف في الأموال عبر الهاتف. ومن المنتظر أن يتواصل ازدهار هذه الخدمات خلال السنوات القادمة وستساهم مرابيحها الكبيرة بالتأكيد في إبراز أثرياء جدد.

Embed from Getty Images

صورة لإحدى الرسائل التي ترسلها خدمة  M-Pesa.

7- الصحة الرقمية

الوضع الصّحّي في أغلب دول القارة الأفريقية هو وضع سيئ لأبعد الحدود، إذ يبلغ عدد الأشخاص لكل طبيب في دول مثل إثيوبيا وتنزانيا 20 ألفًا، مقارنة بـ399 للطبيب الواحد في السعودية و370 في الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالنّظر لهذا الوضع المتردي الذي يتزامن مع ضعف في البنية التحتية الصحية، يعمل عدد من المستثمرين الشبان على استثمار التكنولوجيا الحديثة وخاصة الهواتف المحمولة لتقديم بعض من الخدمات الصحية ولتغطية عجز المنظومات الصحية التقليدية عن الوصول لكل المواطنين. تقول آن آرتس، رئيسة مؤسسة «نوفارتيس» ورئيسة لجنة فريق عمل التنمية المستدامة بشأن الصحة الرقمية، في حديثها عن التحولات التي يشهدها مجال الصحة في أفريقيا:

«لقد تغيرت أفريقيا نحو الأفضل بشكل ملحوظ منذ أن عملت لأول مرة طبيبة شابة في أنغولا منذ نحو عشرين عامًا، لكن يتمثل التغيير الأكثر وضوحًا في الطريقة التي اعتمدت بها القارة تكنولوجيا الهاتف النقال، فالناس في أفريقيا – وفي الواقع في جميع أنحاء البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل – ينتهزون الفرص التي توفرها التكنولوجيا ويستخدمون الهواتف النقالة في كل شيء، من تسديد الدفعات إلى إصدار شهادات الميلاد إلى الحصول على الرعاية الصحية».

وتكمن فائدة تكنولوجيا الهواتف المتنقلة في تسهيل التواصل، وبفضل العصر الرقمي سيسهل التغلب على الحواجز مثل المسافة الجغرافية والموارد المنخفضة، والتي منعت الملايين من الناس لوقت طويل من الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها، وبالفعل هناك طرق لا حصر لها تمنحها التكنولوجيا والتي يمكن نشرها لتحسين الاستفادة من الرعاية الصحية».

فيديو يتحدث عن اختراع Mamaope.

وبإمكان هذا الجهاز الذي أطلق عليه اسم «Mamaope» أن يشخّص المرض أسرع بثلاث مرات مقارنة بالطبيب.

في أوغندا؛ نجح الشاب «برايان توراباغي» وفريقه في تصميم وتطوير جهاز بيوطببي للتشخيص والرصد المبكر لأعراض الالتهاب الرئوي، وهو المرض الذي يقتل نصف مليون طفل في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى سنويًا، وفقًا لليونيسيف.

المصدر