مترجم: كيف يستخدم الصهاينة الآثار لشرعنة الاحتلال ؟

نشرت مدونة If Americans knew الأمريكية المعنية بالدفاع عن القضية الفلسطينية، تقريرًا لكاثرين شهادة، استعرضت فيه كيف استخدم الاحتلال الإسرائيلي عِلم الآثار ليكون سلاحًا لتثبيت مزاعم الاحتلال بالأحقية التاريخية في أرض فلسطين. قالت كاثرين:

لطالما كانت معركة إسرائيل متعلقة بالأرض، منذ الأيام الأولى للصهيونية أوائل القرن الـ19 حتى وقتنا الحالي. لكن بالنسبة للبعض، فالأمر، حرفيًا، أعمق من هذا بكثير. فما تحت الأرض قيّم بنفس درجة قيمة ما فوقها، وثمة معركة مستعرة منذ سنوات تدور حول القطع الأثرية القديمة، من القدس إلى غزة إلى قمران.

تضع «الدولة اليهودية» أولوية لكل ما من شأنه أن يعزز شرعيتها بصفتها المالك الشرعي لعقارات الأرض المقدسة، وقد استولت على علم الآثار لمساعدتها على خلق سرديتها. والهدف من وراء كل ذلك، بحسب كاثرين، تسليط الضوء على الحضور اليهودي القديم والانتقاص من كل المجتمعات الأخرى، سواء أكانت مجتمعات تاريخية أو حالية.

إذ تفترض السردية الإسرائيلية، على سبيل المثال، أنَّ المسيحيين ربما يكونون قد تواجدوا فترةً وجيزة، لكن بصفتهم زائرين لا أكثر، ولم يتركوا وراءهم أي أثر تقريبًا، والأمر ذاته ينسحب على أي حضور مسلم.

ومن أجل دعم هذه النسخة من التاريخ، وجدت إسرائيل من الضروري تدمير قرى، وهدم مواقع قديمة، والاستيلاء على أماكن تاريخية، وإعادة كتابة الكتب المدرسية، وإعادة رسم الحدود… إلخ. وبفضل وهم الحضور اليهودي المستمر والمهيمن، يمكن لإسرائيل أن تؤكد أنها، بكل بساطة، «تستعيد» حقها الشرعي، لا إنها تأخذ حق الآخرين.

الحقائق تحت الأرض

ليس من قبيل المفاجأة أن نعرف أنَّ إسرائيل/ فلسطين منجم أثري: ذلك أنَّ طرق التجارة القديمة كانت تتقاطع في تلك المنطقة، وكانت الوطن التاريخي للفلسطينيين والصليبيين، إلى جانب كونها على مرمى حجر من الحضارات المبكرة في مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفينيقيا، وكانت تشكل جزءًا من الحضارات الرومانية، واليونانية والفارسية والعثمانية، على سبيل المثال لا الحصر، وكانت موطنًا لليهود والمسيحيين والمسلمين.

في الواقع، فإنَّ فلسطين موطن لأقدم منظمة أثرية ألا وهي صندوق الاستكشاف الفلسطيني، الذي تأسس عام 1865. تمتع المنقبون من هذه المنظمة بتشكيلة مذهلة من الطبقات، التي تراوحت من العصر الحجري القديم العلوي (حوالي عام 40 ألفًا قبل الميلاد) إلى أواخر الحقبة العثمانية (القرن الـ19 الميلادي)، وكل ما بين هاتين الحقبتين، وقد أدت اكتشافات هذه المنظمة إلى تقدم علم الآثار نفسه. ولذا فليس من المستغرب أنَّ علماء الآثار من كل العالم قد تجمعوا، لما لا يقل عن قرن ونصف لحفر ودراسة الكنوز الثقافية القديمة لفلسطين.

عندما أنشأت إسرائيل نفسها، عام 1948، بل حتى قبل هذا التاريخ، عملت «الدولة اليهودية» على التحكم في علم الآثار، ومن ثم تاريخ المنطقة. فسعت إسرائيل لمحو آثار الحضارات الكثيرة التي سبقت الحضور اليهودي، وكذلك الشعوب التي جاءت بعد ذلك.

اقرأ أيضًا: كيف دخلت الإمارات وإسرائيل حلقة تجارة الآثار التي نهبها «داعش»؟

«من يد ليد»

ويستند هذا الادعاء بملكية الأرض على نافذة زمنية صغيرة جدًا، كما أوضحت إيلين بياتي في كتابها «العرب واليهود في أرض كنعان» حين قالت: «إنَّ مملكتي داود وسليمان الممتدتين، اللتين يستند إليهما الصهاينة في ادعائهم بملكية الأرض استمرتا 37 عامًا فحسب، ثم انهارتا. وحتى لو سلمنا باستقلال المملكتين اليهوديتين القديمتين في تاريخهما بأسره، من أول انتصار داود على كنعان سنة 1000 قبل الميلاد، إلى محو يهوذا سنة 586 قبل الميلاد، فإننا نصل إلى 414 عامًا فحسب من الحكم اليهودي».

لكنَّ السردية اليهودية توسع من هذه النافذة الزمنية بضع مئات أخرى من السنين: فالتاريخ (التاريخ «المهم» على الأقل) قد «بدأ مع الملك داود وانتهى بتدمير المعبد الثاني (70 ميلادية)، وعاد مرة أخرى مع الاستيطان اليهودي القرن التاسع عشر». وتسمح هذه السردية ببعض الحضور اليوناني والروماني و«القليل من بدايات المسيحية». لكنَّ الفلسطينيين القدماء، والعرب والمسلمين لا يُعترف بهم قط بصفتهم جزءًا من تاريخ المنطقة، ذلك أنّ هذا الاعتراف من شأنه أن يؤثر على المصالح اليهودية.

أزالت الجرافات، أثناء السنوات الأولى من وجود إسرائيل، البقايا العثمانية والمملوكية، والقطع الأثرية العربية والصليبية، والبقايا البيزنطية
والرومانية واليونانية والفارسية.

والتفسير الرسمي لذلك، بحسب فيلم تقديمي يُعرض على المجموعات السياحية في القدس، بكل بساطة أنَّ: «المدينة قد انتقلت من يد ليد، مدة ألفي عام» ولا يتعرض الزوار إلا إلى رواية الأجندة الاستيطانية. أما فيما يتعلق بفلسطين، فليس ثمة سوى الصمت.

وكما يذكرنا المؤلف والناشط الإسرائيلي يوري أفنيري، فإنَّ الزعم الصهيوني بالأحقية في فلسطين، المستند على التاريخ الإنجيلي للإسرائيليين، يتطلب إثبات صحة الكتاب المقدس في المقام الأول. ومع أنَّ كل مؤسسي إسرائيل تقريبًا كانوا ملحدين علنًا، فإنَّ ذلك لم يمنعهم من سن أسنانهم وإعطاء أوامرهم.

فأزالت الجرافات، أثناء السنوات الأولى من وجود إسرائيل، البقايا العثمانية والمملوكية، والقطع الأثرية العربية والصليبية، والبقايا البيزنطية والرومانية واليونانية والفارسية وذلك بغرض العثور على «الكنز الثمين»: أي القطع الأثرية العبرية. ولا يزال هذا البحث مستمرًا. وقد التحمت أجزاء السردية اليهودية، على مر السنين، لغرض واحد: صناعة «الشرعية».

«سبق وأخبرتك»

يمكن لعلم الآثار لو عُرض بشكل ملائم أن يكون دليلًا يثبت عدم وجود احتلال.

وقالت كاثرين إنَّ هذا الأمر، يفسر لنا، على سبيل المثال، سبب مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى شبكات التواصل الاجتماعي عندما عُثر على عملة معدنية في مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية. إذ قال التوصيف المبدئي للقطعة إنَّها عملة تقدر بنصف شيكل تعود إلى ألفي عام مضت.

نشر رئيس الوزراء على فيسبوك قائلًا إنَّ هذه القطعة الأثرية «دليل على الصلة العميقة بين شعب إسرائيل وهذه الأرض» (لاحظ أنَّ القطعة قد وجدت في فلسطين، لا إسرائيل). بعد عدة أيام، تعرف متحف إسرائيل على القطعة بشكل أكثر دقة قائلًا إنها هدية تذكارية، نسخة طبق الأصل، ترجع إلى حوالي العام 2000 ميلادية، فحُذف المنشور من على فيسبوك.

وكتب وزير التعليم الإسرائيلي، نافتالي بينيت، بعد اكتشاف إبريق قديم عليه نقوش عبرية، عام 2015، منشورًا على موقع فيسبوك قال فيه: «هذا مثال آخر من بين الكثير من الحقائق على الأرض التي تحكي قصة الدولة اليهودية التي ازدهرت هنا على هذه الأرض منذ 3 آلاف عام مضت… لا يمكن لأمة أن تكون محتلة لوطنها».

والدرس المستفاد من هذه القصة: يمكن لعلم الآثار لو عُرض بشكل ملائم أن يكون دليلًا يثبت عدم وجود احتلال.

اقرأ أيضًا: نعوم تشومسكي: عودة اللاجئين الفلسطينيين مستحيلة وإسرائيل قد تمنعهم بالسلاح النووي

قرى فلسطينية تبخرت

محت القوات الصهيونية، في إطار هذه الجهود، ما بين 400 إلى 600 قرية فلسطينية في الأربعينيات ــ بعضها تدمر في الحرب، لكنَّ الكثير منها فُرّغ من سكانه وأحرق حتى قبل بدء الحرب، وبعضها هدم أثناء السنوات الثلاث التي تلت الحرب.

وبحسب كتاب (الماضي فحسب؟ صناعة علم الآثار الإسرائيلي) فإنَّ «بقايا الماضي العربي اعتُبرت بقعًا تشوه المنظر العام للتاريخ، واستدعت حقائق كان الجميع يريدون نسيانها» (الجميع ما عدا الفلسطينيين). وكانت العديد من هذه القرى قديمة، أو تحتوي على مواد بناء قديمة. هذا النسيان المتعمد – الذي يعتبر بالأساس «إنكارًا للنكبة» – هو بلا شك أكبر سرقة للتاريخ الفلسطيني. واليوم، ثمة بلدات إسرائيلية ومزارع وبساتين في مكان هذه القرى الضائعة.

واستُهدفت كذلك المئات من الآثار التاريخية وأماكن العبادة (المساجد بالأساس) بالهدم بعد حرب 1948. وقد طالب عدد قليل من الإسرائيليين وزارة الآثار الإسرائيلية بالحفاظ على هذه المواقع، لكنَّ معظم هذه المحاولات باء بالفشل.

وقد كتب راز كتلر عن هذا الموقف، الذي كان يشعر بالخجل منه، كونه عالم آثار، فقال: «لا أظن أنَّ مشهد هذه القرى تنتمي لنا ــ إنها تنتمي إلى الناس الذين عاشوا هنا ــ ومع ذلك، فثمة توق إلى هذا المشهد المفقود. لا يمكننا إعادة هذا المشهد مرة أخرى، لكن على الأقل ينبغي أن نكون على علم بالحقيقة وألا نكذب على أنفسنا».

أُرسل رسامو الخرائط لعمل خريطة جديدة، وإعادة تسمية المدن، والقرى، والأنهار… إلخ. بأسماء إسرائيلية/ عبرية لمحو كل آثار الوجود الفلسطيني. استمرت هذه الجهود عقودًا، ووصلت إلى إعادة تسمية الحدائق والشوارع.

الاستيلاء على المواقع الأثرية ومخطوطات البحر الميت

نقلت اتفاقية أوسلو الثانية، عام 1995، 60% من الضفة الغربية إلى السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة عن طريق توصيفها بأنها «منطقة سي». كان من المفترض لهذا الأمر أن يكون مؤقتًا، لكنه استمر أكثر من 20 عامًا. فحتى الآن، لا تزال لإسرائيل السلطة في كل المسائل المدنية المتعلقة بالأرض، والتي تشمل المستوطنات، التي يسكنها اليهود فقط، على الأراضي الفلسطينية (وقد وصل تعداد سكان هذه المستوطنات حاليًا إلى حوالي نصف مليون) وكل المواقع الأثرية الفلسطينية تقريبًا.

طبقًا للقانون الدولي، فإنَّ القطع الأثرية المكتشفة في الأرض الفلسطينية – سواء كانت في المنطقة إي أو بي أو سي أو غزة أو القدس الشرقية – تنتمي لفلسطين وينبغي أن تظل داخل فلسطين. وتشير اتفاقيات اليونسكو وقرارات مجلس الأمن الدولي، واتفاقية لاهاي لعام 1954 جميعها إلى أنه «عندما تكون ملكية الآثار تابعة لدولة ما، فإنَّ كل من يزيلها دون إذن يعتبر لصًا، وتعد هذه الآثار أملاكًا مسروقة». وذلك بحسب باتي جيرستنبليث، الأستاذ في جامعة دوبول، ومؤلف دليل وزارة العدل لقانون الملكية الثقافية لعام 2016.

اختلاس المواقع الأثرية وما تحويه من قطع أثرية أمر غير قانوني، بالتعريف، لكن لإسرائيل خبرة كبيرة في انتهاك القانون الدولي، وعدم العقاب على ذلك. خذ مثلًا مخطوطات البحر الميت الشهيرة: إذ اكتشفها فلسطينيون قبل تأسيس إسرائيل، في خربة قمران الواقعة في الضفة الغربية في فلسطين. ولما كانت قمران في المنطقة سي من الضفة الغربية، فإنَّ إسرائيل تتحكم في الموقع الأثري، والسياحة، والأمر برمته. تقبع هذه المخطوطات حاليًا في متحف إسرائيل بالقدس. ولا يحوي الموقع الرسمي للمتحف أي ذكر لفلسطين.

يسمح توصيف المنطقة سي لإسرائيل بالسيطرة، بحكم الأمر الواقع، ليس على أعمال التنقيب وتوزيع التحف الأثرية فحسب، وإنما على قرارات وقت إيقاف الحفر وبدء تشييد بنايات جديدة – أو حدائق أو مواقف سيارات – فوق موقع ما. وتخضع البلدات والأحياء الفلسطينية القريبة من القدس الشرقية أو التي تشكل جزءًا منها، على وجه الخصوص لمعاملة مؤسفة، إذ أدى قانون القدس لعام 1980 إلى ضم القدس الشرقية (ولا يعترف معظم العالم بهذا الضم)، فأعلن كل القدس «العاصمة الكاملة والموحدة لإسرائيل» ووعد بـ«تحقيق التنمية والازدهار للقدس ورفاهية سكانها». ونتج عن ذلك تحقيق هيمنة إسرائيلية على القدس. أما بالنسبة للفلسطينيين، فما حدث استيلاء واضح على الأرض.

دراسة حالة: سلوان

يعيش سكان حي سلوان في القدس الشرقية، الذين امتلكت عائلاته أراضيهم فيه منذ الحقبة العثمانية، تحت ظل السلطة الإسرائيلية منذ عام 1967. كان حي سلوان بكامله تقريبًا فلسطينيًا مسلمًا. بعد ضم القدس الشرقية عام 1967، أعلن عن خطة لتحويل السكان ليصبحوا 75% من الإسرائيليين.

وكما شرح أحد المتحدثين باسم المستوطنين/ علماء الآثار، فقد كان الهدف «الحصول على موطئ قدم يهودي في القدس الشرقية وخلق موقف لا يمكن عكسه في الحوض المقدس حول المدينة القديمة». (هذا ما يسمى «تطهيرًا عرقيًا») وقد تحقق هذا من خلال عمليات الإخلاء وهدم المنازل ــ إذ صدرت قرارات هدم بحق أكثر من نصف بيوت حي سلوان ــ أحيانًا باستخدام وثائق مزيفة.

إحدى الطرق الرئيسية التي أوجدت إسرائيل بها لنفسها «موطئ قدم» في سلوان كانت من خلال قانون الملكية الغائبة. وينص هذا التشريع الخبيث على أنه لو ظلت ملكية فلسطينية غير مسكونة لثلاث سنوات، أو تعذر تقديم وثائق ملكية، فإنَّ الأرض سوف تعود إلى مجلس الوصاية الذي يمكنه حينها توزيع الملكية للاستخدام العسكري أو الاستيطاني.

وقد نجح هذا القانون في تحقيق الهدف المرجو منه بسهولة عندما مُنع اللاجئون الفلسطينيون من حق العودة: فصودرت أراضيهم، بعد ثلاث سنوات، ولم يعد لديهم ما يعودون إليه على أي حال. أما أولئك القلائل الذين عادوا، وكانت منازلهم لا تزال قائمة – إذ لم تبق سوى سبع قرى سليمة – فإنهم عادة ما وجدوا وثائق ملكيتهم مفقودة أو مدمرة، ووجدوا مستأجرين يهودًا مكانهم. وبحسب كتاب الحكومة الإسرائيلية 5719، فقد سرق حوالي 60 ألف بيت، و10 آلاف متجر خلال السنوات الأولى لوجود إسرائيل.

وقد سرق عدد كبير من الممتلكات في سلوان عبر هذا القانون. والعدد القليل من الأماكن الخضراء في سلوان قد أُخذت أيضًا بصفتها مواقع أثرية، محرمة على الفلسطينيين. وقد وضعت مئات الكاميرات التليفزيونية ذات الدوائر المغلقة لضمان الانصياع.

وبعد الاستيلاء على مساحات واسعة من سلوان، بدأ العمل على سرقة مساحات من التاريخ «فأزالت الجرافات مناطق واسعة في عجلة، وجرى تفكيك مستويات متعددة في سباق للوصول إلى القاعدة اليهودية»، وفي الأماكن التي لم يستطيعوا فيها إيجاد ما كانوا بحاجة إليه، بنى المستوطنون منازل فوق مواقع التنقيب.

وقد اعتاد سكان حي سلوان الفلسطينيون الفخر بالكنوز الأثرية لأرضهم، لكن منذ انتزاع إسرائيل للأرض تحولت الأمور من سيئ إلى أسوأ. إذ بدأت الآليات الثقيلة والحفر العميق في الإضرار بالمباني، وبدأت الشقوق الضخمة في الظهور في المنازل الفلسطينية، ما أصاب الملاك بالقلق والغضب. حتى رفع أحد الملاك، ويدعى جواد صيام، عريضة لإنهاء هذا الحفر التدميري، وقدمه إلى المحكمة الإسرائيلية العليا. والنتيجة: سُجن جواد وكل من وقع العريضة أو وضعوا تحت الإقامة الجبرية «لإقلاق السلم وإلحاق أضرار بالممتلكات».

وما زاد الطين بلة، أنَّ بلدية القدس استبدلت أسماء إنجيلية عبرية، بعدد من أسماء الشوارع في سلوان، وهو تذكير يومي آخر للفلسطينيين بأنَّ الإسرائيليين هم من يمسكون بزمام الأمور.

آثار في غزة

وليس من قبيل العجب أن نعرف أنَّ وضع المواقع الأثرية في غزة أسوأ من هذا، على الرغم من أنَّ موقعها بصفتها ميناءً بحريًا يجعلها شديدة الغنى بالآثار القديمة. وتشرف وزارة السياحة والآثار في غزة على الحفر والحفاظ على القطع الأثرية بأقصى ما تستطيع تحقيقه بقدرتها المحدودة، لكنَّ مكاتب الوزارة، إلى جانب عدد كبير من المواقع الأثرية، تضررت من القصف الإسرائيلي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ المعدات والمواد الكيميائية الضرورية لتنفيذ العمل محرمة «لأسباب أمنية» في ظل الحصار المستمر منذ عقد من الزمان. ولا يستطيع علماء الآثار الضيوف الدخول للمساعدة، ولا يستطيع علماء الآثار المحليون الخروج للتدريب. والعجيب، أنَّ الكثير من القطع الأثرية القيمة للغاية قد انتهى به الحال في المتاحف الإسرائيلية.

وغني عن البيان أنَّ ثمة القليل من التمويل للعمل في غزة، خصوصًا مع كون غزة صاحبة أعلى معدلات البطالة في العالم، إلى جانب النقص في الكهرباء وأزمة المياه النظيفة.

اقرأ أيضًا: شوكة في الخاصرة.. هل يفكك عرب 48 بناء إسرائيل؟

السياحة الإسرائيلية

وقالت كاثرين إنَّ أي شخص يعرف المنطقة، يعرف أنَّ إسرائيل قد استولت على السياحة بالكامل تقريبًا ــ وهذه إحدى المسائل الأخرى المؤلمة للفلسطينيين في المناطق الغنية بالآثار. فعلى سبيل المثال، تستقبل حديقة مدينة ديفيد القومية (المبنية على أرض حي سلوان) مئات الآلاف من السياح سنويًا. يدفع كل واحد من الزوار سبعة دولارات رسم دخول، ويشتري معظمهم طعامًا وهدايا تذكارية من المستوطنين الإسرائيليين اليهود. وليس الآمر مقتصرًا على أنَّ كل الأرباح تدخل جيوب إسرائيل والإسرائيليين، لكنَّ فلسطينيي حي سلوان وعلاقتهم بالأرض يُغض الطرف عنها بالكامل عن قصد.

وقالت كاثرين إنَّ دخل السياحة هذا ربما يكون مجرد فكة بالنسبة لإسرائيل – التي تتلقى عشرة ملايين دولار يوميًا من الولايات المتحدة وحدها – لكنه سوف يشكل فارقًا هائلًا لأهالي سلوان والبلدات الأخرى التي تعد من ضحايا حرب الآثار تلك.

ومن المفارقات الضخمة في ملحمة السعي الإسرائيلي للشرعية على الأرض، بحسب كاثرين، أنه لا أحد، من الفلسطينيين أو غيرهم، ينكر الحضور اليهودي المستمر منذ العصور القديمة. وعليه فقد كان اختلاس علم الآثار غير ضروري وغير لائق من هذا المنظور. ويشير الإجماع المتصاعد عالميًا بالنظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة منبوذة، إلى جانب الشعبية المتصاعدة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات إلى أنَّ استراتيجية إسرائيل لا تساعدها في جهودها لنيل الشرعية.

المصدر