وزير المالية يرد على رابطة فرنسية اتهمت الحكومة بالفساد

انتقدت رابطة «شربا» الفرنسية الناشطة في مكافحة الجرائم الاقتصادية في تقرير صدر للتو ما سمته « انتشارا وبائيا للرشوة والفساد في موريتانيا، يعرقل ويعوق تنمية هذا البلد ذي الخيرات الوفيرة».
وتأسست رابطة «شربا» التي يوجد مقرها في باريس عام 2001 لتحقيق هدف واحد هو حماية السكان الواقعين ضحايا لجرائم اقتصادية تقترفها أنظمة الحكم.
وكانت قد وجهت عام 2013 تقريرا مماثلا إلى شركاء موريتانيا وممولي مشروعاتها وبرامجها، لكن حكومة نواكشوط نفت مضامين ذلك التقرير واعتبرته معتمدا على معطيات غلط.
ولاحظت «شربا» في تقريرها الحالي أن انتشار الفساد والرشوة لايزال مستمرا في موريتانيا بوتيرة متصاعدة، ما جعل موريتانيا تمر بوضع شديد الصعوبة منذ انهيار أسعار مناجم الحديد.
وأكد ويليان بوردون رئيس «شربا» أمس «أن هناك أكثر من سبب للجزم بأن التمويلات الضخمة التي قدمتها مؤسسات التمويل الدولية لموريتانيا إنما تغذي في مجموعها نظاما مغلقا للرشوة وتبديد الثروات، وهي بذلك تساهم في تبذير الموارد العمومية لهذه الدولة».
وتستعد موريتانيا ثاني أكبر مصدر للحديد في أفريقيا، والغنية بمناجم النحاس والذهب وباحتياطها الضخم من المنتوجات البحرية، لتسويق المواد النفطية عام 2021.
«برغم هذه الثروات الهائلة وبرغم أن سكانها قليلون، لا يتجاوزون أربعة ملايين نسمة، يضيف التقرير، توجد موريتانيا ضمن قائمة الدول الأقل تقدما، بل إن صندوق النقد الدولي يدرجها في موقع مخيب للأمل في مؤشراته الخاصة بانتشار الرشوة».
ويقول ويليان بوردون رئيس رابطة «شربا» في تعليقه على تقرير هيئته «إن موريتانيا مع إمكاناتها الضخمة من المواد الأولية، تعتبر اليوم المجال الحر والمناسب لمقترفي جرائم المال والمتسترين على الجرائم الاقتصادية الأخرى، حيث أنهم يجدون فيها الملاذ الآمن والموقع الذي لا عقوبة فيه على مقترفي الجرائم المالية».
وعرض تقرير رابطة «شربا» أمثلة للفضائح السياسية والاقتصادية ولسوء تسيير الموارد في موريتانيا معتبرا «أن كل هذه الممارسات ستشل اقتصاد هذا البلد في وقت قريب إذا لم يتدارك الموقف».
وتعرض التقرير كذلك «لإبرام مشكوك فيه لعدد من الصفقات العمومية ممثلا لذلك بالمطار الجديد الذي أسند تشييده لشركة غير مجربة في المجال يديرها مقربون من الرئيس، وكذا إسناد بناء المحطة الكهربائية المركزية في العاصمة نواكشوط للشركة التي قدمت أغلى عرض في المناقصة».
وتساءل التقرير عن «الأسباب التي دفعت السلطات الموريتانية لتوقيع اتفاق غريب مع شركة «بولي هونونغ» الصينية المشهورة ببيع الأسلحة الصينية غير الشرعية في الخارج».
وأكدت «شارب» أنه «من غير المعقول أن يظل الممولون صامتين إزاء هذا الاعتداء الصارخ على مقدرات شعب مسكين».
ودعت الرابطة في تقريرها «الهيئات التمويلية إلى إلزام السلطات الموريتانية بالتعهد الصارم بإصلاح هذا الانحراف الخطير»، كما دعت «للقيام بتحقيقات حول تسيير التمويلات المقدمة لموريتانيا».
«إن هيئات التمويل، يضيف التقرير، مسؤولة عن حماية أموالها من التبذير عبر الردع واشتراط الشروط، كما أنها ملزمة بالسهر على ألا تستخدم أموالها لتغذية نظام غير متورع عن تبديدها».
وقبل نشر هذا التقرير، أرسلت رابطة «شربا» نسخا منه لصندوق النقد الدولي، وللبنك العالمي، والبنك الأفريقي للتنمية، ولوكالة التنمية الفرنسية، واللجنة الأوروبية، وللوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
ومع أن هذا التقرير صادر عن هيئة تدعي الحياد التام في تحقيقاتها، فإن أوساطا مقربة من الحكومة الموريتانية أكدت لـ «القدس العربي»، أن «إصدار هذا التقرير هو من تدبير رجل الأعمال الموريتاني المعارض محمد بوعماتو صاحب العلاقات الواسعة في الهيئات الحقوقية والسياسية الفرنسية».
وأكدت هذه الأوساط «أن رابطة «شاربا» رابطة تحصل على التمويلات عبر تأجير تقاريرها من طرف جهات معينة لتصفية حسابات مع جهات أخرى معادية لها».
ونفت الحكومة الموريتانية عدة مرات، اتهامات الفساد التي تضمنتها تقارير الهيئات الدولية الناشطة في مجال مراقبة الشفافية، والاتهامات الواردة أيضا في بيانات المعارضة، مشددة على «التزام الرئيس محمد ولد عبد العزيز المبدئي بمحاربة الفساد منذ وصوله للسلطة حيث جعل من مكافحة هذا الوباء محورا أساسيا في برنامجه الانتخابي، الذي زكاه الموريتانيون خلال مأموريته الأولى والثانية».
وكان آخر توضيح رسمي لسياسة محاربة الفساد هو ما أكده وزير الاقتصاد والمالية الموريتاني المختار ولد أجاي في مقابلة مع صحيفة «الشعب» الحكومية، حيث أكد «أن التزام الرئيس بمحاربة الفساد، خيار لا رجعة فيه يترجم وعيه بما عانته التنمية في موريتانيا خلال المراحل السابقة من جراء تفشي هذه الظاهرة، التي قوضت ثقة المستثمرين، وأخلت بالتوزيع العادل للدخل».
«وفي هذا السياق أقرت الحكومة الموريتانية، يضيف الوزير، الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة في ديسمبر/كانون الأول 2009 التي تتصدى لهذه الظاهرة وتجلياتها، وباشرت تنفيذ إصلاحات عميقة، انصب بعضها على الجوانب التنظيمية والقانونية لمكافحة هذه الظاهرة، مثل إعادة تنشيط هيئات الرقابة (محكمة الحسابات، المفتشة العامة للمالية، المفتشيات الداخلية) حيث شمل نشاطها معظم المرافق العمومية».
وقال «كما تمت العناية بمتابعة أنشطة لجنة الشفافية المالية للحياة العامة، واعتمد انتظام صدور التقرير السنوي الخاص بإيرادات الصناعات الاستخراجية، وتم تفعيل أنشطة لجنة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى المصادقة على إجراءات صارمة ضد من يمارسهما، ودعم هذا التوجه بالمصادقة على قانون مكافحة الرشوة والمراسيم المطبقة له، وأيضا صادقت موريتانيا على المعيار الدولي لمكافحة الرشوة المعلن عنه من طرف ايزو (ISO)، وأنشئت لجنة ثلاثية لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة».
وأكد الوزير ولد أجاي «أن الجهود المذكورة مكنت موريتانيا من تحقيق نتاج مهم منه، تحسن ترتيبها على مؤشر الشفافية الدولية بين 2011 و2015 بـ 31 نقطة حيث انتقلت من الرتبة 143 إلى الرتبة 112، كما تقدمت على مؤشر تحسن مناخ الأعمال حيث تم تصنيفها ضمن الدول الأكثر تنفيذا للإصلاحات في هذا المجال، وتم الإعلان عن مطابقة موريتانيا لمعايير الشفافية في مجال الصناعات الاستخراجية في شهر شباط/فبراير 2012».

المصدر