رداء الدين.. و لا ثوب التقوى / الولي سيدي هيبه

لا شك أننا مسلمون، الحمد لله، و تلك نعمة ما فوقها نعمة و إن كنا لا نقدرها حق قدرها. نستظل بالإسلام دينا لكننا و لا نلبسه ثوبا إيمانيا كاسيا من العري الروحي و الخواء الأخلاقي. ترانا باسمه نبني المساجد فنسيرها كملكيات خاصة و ننزع عنها صفة “بيوت الله” في حروب التسميات و تفاوت المواقيت واختلاف الطرق و خصام القبض و السدل.. و لا ترانا نلبس الإحسان فنصدق بلا رياء و نعدل بلا خوف و تحارب الغلو و الشطط

 و نقطع الطريق على الشيطان في غواته المضلة المذلة. نعم في الخارج ما زال غَيرُنَا يَذكرنا بالسمعة التي بناها الأجداد و لكنه ما أن يصل إلينا حتى يرهقه سوء واقعنا و تناقض أحوالنا و قربنا من “الجاهلية” بأبشع صورها، فلا يرى هيبة و شموخ المساجد التي قدم بسخاء أمولا لبناءها و قيامها، و لا يلمس في الخلق العام و المسلك التعاملي دفئ تعاليمها. فهل عرفنا الإحسان الذي هو ليس مجرد كلمة، بل قول، وعمل، وجهاد، وتَضحية، وبَذل، وتَنازل، وكرمُ أخلاق، و أعلى مَراتب القُرب من الله تبارك وتعالى.. و هل نعمل بمقتضاه؟

نخب الإملاقُ الفكري و التغريد خارج سرب الحداثة

كيف لأمة أن تتقدم و تكسب رهان التنمية الشاملة و جُل مثقفيها يخلفون الوعود إذا عاهدوا و لا يحسنون التصرف إذا حضروا؟ مثقفون تسميةً و  وصفا و عنوانا لكنهم أبعد ما يكونون، في ترجمة الثقافة التي تشبعوا بها، عن السلوك المتحضر و المتمدن الذي يبهر و يحتذ فيرفع و يصلح. إنها الحقيقة المرة التي يأباها العقل السليم و يفرضها في مرارتها الواقع العنيد. و كيف لبلد تسير نخبه بزيت الماضي الثقيل و يُبطئ حراكها القسري الإملاقُ الفكري و النشازُ  بالتغريد خارج سرب الحداثة على إيقاعات الادعائية و الكبر و التغني بالأمجاد؟ و كيف أيضا لبلد يدعي كلَّ صفات الأمة “المثالية” أن تنطفئ فيه شموع الفكر و العلم و الإبداع و الفنون و لا ينبض بها إلا أن تتدخل جهات خارجية فاضت بعطائها و إشعاعها؟ جهات منها المراكز الثقافية لدول عربية و أجنبية ذات السفارات المعتمدة في الجمهورية.. و هل في هذا الأمر ما يشرف؟

القلبية ضعف القوة و قوة الضعف
القبلية و ما أدرك ما القبيلة؟ حاضر غائب.. و غائب حاضر.. ظالم مستبد و طَود مستظَل .. ملاذ الأقوياء إلى الجرم و السطو و استدرار الدولة و كبح جماح المارقين على قانون القوة و الوجاهة.. و ملاذ المستضعفين من يد أهل البطش الجائرين الغائرين إلى أهل البطش من الحماة المدافعين عن حواشي أعرنتهم.. القبيلة ذلك النظام الاجتماعي القاسي اللين.. الظالم عند عدل المنطق.. و العادل عند ظلم المنطق.. يظلِمُ في نسيجها الأخُ أخَاهُ من ملتمس ضعف و ابنُ العم نده من حسد و غل.. نظام لا يهدم أسباب الوجود و لا يبني أسباب الدوام.. يَسوس الدولة و يبقي على أقل أسباب الاستمرار لذاته.. يخشاه المتقدم في الهرم و يرضاه المتأخر عند قاعدته.. الأول من خوف زوال نعمته عليه و الآخر من جزاء ضياع نبذه إياه.. علية القوم في نفور الضياع و سفلته في سفور الانصياع.. البعض يرى أن بقاءه له في خوف الضعف و الآخر في ضعف الخوف.. فهل بعد ذلك من عجب أن قبول الزاوي و العربي و لمعلم أو الصانع و الحرطاني و إيكيو و اللحمة انتماءه القبلي رغم الشعور بالعزة عند البعض و الدونية عند البعض الآخر، شعور جائر بوجهيه يعتري الجميع بعد التعارف.

عندما لا يهز الظلم أركان النفوس
في كل مرة تقع فيها عيناي على كتابة تعالج علاقتنا الحميمة مع الظلم رضوخا له و ممارسة إياه لا أرى ذلك الكلام يحظى بكبير اهتمام أو وافر تعليق و كأن كشف هذه العلاقة سهم موجه إلينا و جلد غير مرغوب لذواتنا التائهة في كبر الهوان. و لكن الظلم المكبل لا يزول و دواهيه لا تحارب إلا بكشفها و معاقبة مرتكبيها أشد العقاب. فمن ينكر انتشاره في كل زاوية من نفوسنا المعذبة و جزء من حياتنا المضطربة و ركن من علاقاتنا الاجتماعية متأثرة به في الأسرة النواة و في وسط التجمعات و تركيبة المجتمع الكبرى: أسياد في قمة الهرم و شرائح دونية عند السفح، و أغنياء مترفون و فقراء و معدمون، و وجهاء و سفلة، و رؤساء إداريون بالتزكية السياسية المحاصصية و مرؤوسون على هامش الاستفادة، و تجار و رجال أعمال تصنعهم المراحل المرتجلة و مستهلكون معذبون على عتبات أهل السياط يمسكون عنهم حتى بقايا التخمة.
مر الواقع… من أظلم من… من؟
الظلم طبع دفين في سلوكنا العام أصيل في ثقافتنا العميقة.. فمن أظلم فينا من غني عند المنافسة، و موظف عند الخدمة، و جندي عند الزحام، و شيخ عند المسجد، و صبي في الحانوت، و امرأة في السوق و سائق أجرة عند المحطة، و شاحنة في عرض الطريق، و سائق عربة حمير تحمل القمامة في الطرقات، و جزار يلوح بسيفه، و غسال يُخَير بين أخذ الملابس متسخة من غير كي أو رميها في الوجه، و شرطي يصطف إلى جانب اللصوص و المحتالين، و قاضي يجامل المارقين على العدالة، و وزير ينسى أيامه المتواضعة و يرفل بكسر خواطر موظفيه أهل الخبرة ليُرقي لقطاء السياسة المتملقة و الوجاهة العفة؟ و من أظلم ممن يرى كل هذا فلا يرى إلا أن لا يرى؟

المصدر