تدبر القرآن وأثره في حياة المسلم / د.المهابة محمد ميارة

يتناول هذا المقال مفهوم التدبر وأثره في حياة المسلم من خلال النظر في دلالاته اللغوية والاصطلاحية ومقاصده ومشاهده وقيمه وآثاره وثمراته القرآنية في بناء العقل، وتربية القلب، وتهذيب النفس، وصناعة الشخصية الإيجابية المتوازنة المتكاملة.
فالتدبر قديم وجديد، قديم بنصه وجديد بممارسته؛ فكلما تجذرت المشاعر الإيمانية في القلب، تجددت معاني التدبر وحقائقه ودواعيه، وكلما تنشَّطت طاقات العقل

 وقدرات الذات، وتبصر الإنسان في أسرار الكون، وتفكر في موائد النعم وأصناف الإمداد التي يعيشها؛ تبين له التقصير في استشعار النعم وشكرها، وأخذ لسانه يلهج بذكرالله وحمده وتسبيحه، وطفق يسترجع ما فاته من مواقف التعظيم والتقديس والتدبر القرآني .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:” من أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بعقله وتدبره بقلبه  وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام،لا منظومه ولا منثوره” (اقتضاء الصراط المستقيم ص،384 )
فالتدبر هو الطاقة الدافعة إلى الفهم والمعرفة والاستنباط، وهو القوة الجالبة للتمثل والتخلق والتطبيق.
لذا فقد دعا الخطاب القرآني الناس جميعا إلى التفكر والتبصر والاعتبار، ونهى الناس كافة عن التقليد  والتبلد وموت الحس والقلب والضمير كماجعل الله الكون والقرآن كتابين ناطقين بالدلائل والبينات والبراهين والمعجزات، فكلاهما يصدق الآخر ويعززه، ويدفع عنه الطعون والشكوك والشبهات، ويتجلى ذلك أكثر فاكثر زمانا بعد زمان وجيلا بعد جيل كما هو حاصل اليوم من خلال الفتوحات المذهلة في مجال الإعجاز العلمي للكتاب والسنة حتى يبقى الناس على ذُكر بمقصود خلقهم وبراهين رسالتهم، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: 27]
فالقرآن محراب المتدبرين والمستنبطين وعلماء الاجتهاد، والكون محراب الدارسين والعابدين وعلماء التجارب والماديات؛ وكلٌّ في فلك يسبحون تدبرا واستنباطا وانتفاعا بمواعظ القرآن وأشفيته ورحماته، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]
ولا ريب أن الفهم والتدبر والاستباط من أعظم القربات، وأكمل الأعمال، وأوجب الواجبات، وأجل الطاعات؛ لأنه يقود العاقل إلى التأثر والتروي والاعتبار والعمل بموجبات العلم ووصايا الدين ورصيد التجارب، قال تعالى: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) [الحشر21] .
وفي هذا المعنى الجزيل يقول ابن القيم:” فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر في معاني آياته”.(مدارج السالكين ج1 :475)
فإذا كان القرآن هو مفتاح القلوب والعقول؛ فإن التدبر هو مفتاح القرآن والسبب الرئيس في معرفة كنوزه وفضائله وثمراته كما أنه هو القائد إلى تمثل الفوائد والحكم القرآنية حتى تكون خُلُقاً في حياة الفرد والأسرة والمجتمع.
ولا جرم أن الله تعالى إنما خلق القلب البشري للعلم والإيمان واليقين والفقه والمعرفة والتعبد والعمل. ولا يكون هذا العلم عظيما ودقيقا ومفيدا ما لم يصل القلب بالله، والروح بالغيب، والدنيا بالآخرة، والحياة بطريق رسول الله هديا وسمتا ودلاًّ؛ فلا يأنس القلب بعد تلك المعرفة بغير الله ربا، ولا يقبل غير القرآن نهجا، ولا يرضى بغير الرسول الخاتم قدوة أو دليلا.
بل إن من أمارات ذلك قشعريرة وخشية تعم جلود المؤمنين وتغشى قلوبهم، وذلك دليل عملي على حصول الهداية، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: 23] وكما قال ابن مسعود مبينا سيرة صاحب القرآن ومسيرته: (ينبغي لحاملِ القرآنِ أَنْ يُعرفَ بليلِه إذا الناسُ ينامون، وبنهارِه إذا الناسُ يُفطرون، وبحزنِهِ إذا الناس يَفرَحون، وببكائِه إذا الناسُ يَضحكون، وبِصَمتِه إذا الناسُ يَخُوضُون، وبخشوعِه إذا الناس يختالون، وينبغي لحاملِ القرآن أَنْ يكونَ مُستكيناً لَيِّناً، ولا ينبغي له أن يكونَ جَافياً ولا ممارياً ولا صَيّاحاً ولا صَخّاباً ولا حديداً). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: 8/305.
ثم إن الله تعالى إذا أراد لقلب من قلوب عباده أن يكون خاليا من غير المعرفة الربانية المقدسة، وقوة التطلع إلى دار الخلود؛ فتح الله له كنوز القرآن وموائده، وبصَّره بفقه السنن الإلهية ، وحبب إليه هدْي الرسول وطريقه، وجعل قرة عينه في السنن والآداب والمآثر النبوية ومعالم الهدى قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 174]
وتلك لعمرو الله هي الطهارة الكاملة، والحياة الراسخة، والنعمة الباقية، والهدف السامق السامي الذي اشرأبَّت إليه عيون العارفين، وطمحت إليه قلوب الربانيين، وخاض غمار لُجَّته الصحابة الكرام ومن سار على منوالهم في معارك ضد النفس والشيطان والواقع، لم ينفع معها إلا قبسة من قبسات الرسل كاستقامة نوح  ومصابرته، وتوكل إبراهيم ومراقبته، وصبر أيوب ومناجاته، ودعاء يونس وافتقاره، وملك سليمان ونبوته، وأمانة يوسف وتمكينه ، ووقاية موسى وكفايته، وزهد عيسى وتجرده، ودعوة محمد صلى الله عليه وسلم ورحمته.
ولما كانت هذه الدرجة لا يصل إليها إلا من كان له مع القرآن حال عظيم من أحوال التدبر والتبصر والفهم والتعظيم والتصديق قصد الانتفاع والتطبيق لزمنا أن نستعرض الآيات الداعية إلى التدبر وأن نبين جملة من الشروح عن المراد بالتدبر عند العلماء الربانيين وثمراته في حياة الأمة وربط ذلك بسياقات التدبر ومواطنه ومظانِّه في القرآن الكريم للوقوف على المعاني الكلية والضوابط الناظمة للمصطلح في حياته القرآنية، وما يراد منه عند التطبيق، وما يدل عليه من معاني الخشية والمعرفة والفهم، وما يطرده من آثار الغفلة والفتنة والأمن من مكر الله، قال ابن مسعود رضي الله عنه في هذا الصدد :” كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا ”  (مفتاح دار السعادة : 1/51)
أولا: ذكر الآيات الداعية إلى التدبر:
وردت لفظة التدبر والدعوة الصريحة إليه في أربع آيات قرآنية تبين أهميته وكيف يساعد على الفهم والتعقل ومعرفة المراد وضبط المعنى والتفكر في العواقب والمآلات وذلك في سور عدة منها سورة ص وسورة المؤمنون وسورة النساء وسورة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك حسب ترتيب النزول
1-إن الله تعالى قد دعا أرباب العقول والإيمان إلى التدبر والتذكر والتأمل في المعاني والأسرار القرآنية، وجعل حصول البركة الشاملة التي هي أثر من آثار العمل به ونشره والدعوة إليه منوطا بالتدبر، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) [ص:29].
2-إن الله  شدد النكير والتأنيب للذين أعرضوا عن القرآن وهجروه وعطلوا عقولهم ومواهبهم عند تلاوته وسماعه، قال تعالى:( أفلم لم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) المؤمنون:68
3-كما نعى القرآن على أولئك الذين لا يتدبرون القرآن ولا يستنبطون معانيه ولا يقفون عند عجائبه: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً. وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. [النساء:82، 83].
4-كما وبَّخ القرآن المنافقين المعرضين عن التدبر وأنَّبهم أشد تأنيب، ووصفهم وصفا حسيا يدل على استحالة دخول الهداية إلى قلوبهم وهم على تلك الحال من الهجر والإعراض والتكبر، قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد :24
ثانيا: مفهوم التدبر:
التدبر في اللغة مشتق من مادة (د ب ر) وهي تدل على آخر الشي وخلفه، يقال دبَّر الشيء وتدبَّره: نظر في عاقبته. واستدبره رأى في عاقبته ما لم ير في صدره. والتدبر في الأمر التفكر فيه.  معجم مقاييس اللغة لابن فارس.ج324:2 ولسان العرب لابن منظور ج237:4
وقد ورد لفظ التدبر على صيغة التَّفعُّل للدلالة على التكلف والتعقب والنظر مرة بعد مرة وكرة بعد كرة لحصول الأثر الناجم عن المجاهدة التي يجعلها المتدبر عنوانا لجهده ونصبه واجتهاده في تحقيق المراد.
والتدبر في الاصطلاح:  “هو تحديق ناظر القلب إلى معاني القرآن، وجمع الفكر على تأمُّله وتعقُّله، وهو المقصود  بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر” (مدارج السالكين ج1: 475 )
وقال ابن القيم في موضع آخر في توضيح المراد من التدبر:” وتدبر الكلام أن ينظر في أوله وآخره ثم يعيد نظره مرة بعد مرة، ولهذا جاء على بناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين” كما قال أيضا:”إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، والق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه إليه؛ فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله”. (الفوائد لابن القيم، ص3)
قال العلامة الألوسي:”وأصل التدبر: التأمل في أدبار الأمور وعواقبها، ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه” (روح المعاني ج5: 92 )
وقال الخازن:” أصل التدبر: النظر في عواقب الأمور، والتفكر في أدبارها، ثم استعمل في كل تفكر وتأمل، ويقال “تدبرت الشيء” أي: نظرت في عاقبته، ومعنى تدبر القرآن تأمل معانيه، والتفكر في حكمه، وتبصر ما فيه من الآيات”.  (لباب التأويل في معاني التنزيل”402/1)
وقال الإمام السيوطي:” وتسن القراءة بالتدبر والتفهم.. وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كل آية ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصَّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مر بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوذ أو تنزيه نزَّه وعظَّم، أو دعاءٍ تَضَّرع وطلب”. (الإتقان في علوم القرآن 1/ 127)
وقال الإمام الشوكاني:” إن التدبر هو التأمل، لفهم المعنى، يقال: “تدبرت الشيء” تفكرت في عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، والتدبر أن يدبر الإنسان أمره، كأنه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته”.
“. (فتح القدير: 491/1)
ولا تختلف عبارات المعاصرين كثيرا عن هذه المعاني يقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني معرفا التدبر:” التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة”. (قواعد التدبر الأمثل للميداني،ص10).
وقال الشيخ سليمان السنيدي: ” تدبر القرآن هو تفهم معاني ألفاظه والتفكر فيما تدل عليه آياته مطابقة، وما دخل في ضمنها، وما لا تتم تلك المعاني إلا به، مما لم يعرج اللفظ على ذكره من الإشارات والتنبيهات وانتفاع القلب بذلك بخشوعه عند مواعظه، وخضوعه لأوامره، وأخذ العبرة منه”. “.(تدبر القرآن ص11).)
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:” هو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك”.  (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن: 189/1 )
ويقول العلامة الشنقيطي في أضوائه:”تدبر آيات هذا القرآن العظيم أي تصفحها، وتفهمها، وإدراك معانيها والعمل بها”. (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: 429/7).)
وقال الدكتور أحمد آل سبالك: “أما المعنى الاصطلاحي لتدبّر القرآن كما ورد في كتب التفسير فهو: التفكُّر في غاياتِ القرآنِ ومقاصدِه التي يرمي إليها، ويأتي ذلك بالتفهّمِ والتأمّلِ والتفكُّرِ في معاني الآيات ومبانيها”. (فتح من الرحمن الرحيم في بيان كيفية تدبر كلام المنان 72/ج1
وحاصل الأمر أن التدبر هو الوقوف على العواقب تفكرا وتبصرا وإحاطة وتفهما وتدقيقا وتحقيقا واستنباطا وتمحيصا قصد الانتفاع والامتثال والتطبيق وتجسيد مراد الله من دعوة الخلق وهدايتهم.
ولا شك أن النظر في أحوال السلف يدلنا على مهارات التدبر وغاياته ومنافعه وثمراته: إحضارا للقلب، وإلقاء للسمع، وإمعانا للنظر، وإعمالا للعقل، وإخلاصا للنية، وحرصا على التوبة، وتغييرا للوجهة، واستكمالا لليقين، وتحقيقا للهدف من إنزال القرآن و بعثة الأنبياء والمرسلين.
ثالثا: مشهد من التدبر النبوي:
كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، بل كان قرآنا يمشي على الأرض، بل إن روح القرآن قد حلت في سويداء قلبه، فكان القرآن ربيعا لقلبه، ونورا لصدره، وجلاء لحزنه، وبرهانا لدعوته، ودليلا لرحلته، صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52].
لذا فكم حوَّل القرآنَ إلى تجربة للتدبر وموقف من الوجود والحياة؛ يحفز على الإيمان والسعادة والإيجابية والإنجاز والإبداع، وكم دعا صلى الله عليه وسلم  الناسَ بالقرآن إلى القرآن، وبالتدبر إلى التـأمل والتفكر والتبصر والاعتبار وفهم معاني القرآن والوقوف عند حدوده موظفا في ذلك قوله تعالى:” (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:190، 191].
كما كانت عبادته وصلاته تفكرا واعتبارا وحرصا على تحقيق معاني الصلاة وفوائدها: صلة بين العبد وربه وصلة بين الناس والناس؛ تدفع عنهم غوائل التبلد والكسل والجمود، وتبعث فيهم روح الإيمان والحياة والقوة والأمل وجميل التضرع  والتخشع والقنوت: عن حذيفة رضي الله عنه قال: “صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة؛ فمضى ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها: يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ”. (رواه مسلم).
أما مشهد بكائه، فمعروف ومرقوم في إمام مبين كما حصل حين قرأ ابن مسعود عليه آية من سورة النساء، وهي قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) [النساء:41]
فهل يعقل أن يغيب التدبر، وما يبعثه: من الخشية والوجل، والبكاء والتضرع، والإخبات والتخشع عن هذا المشهد المؤثر ؟
رابعا: مشاهد من فهم  التدبر والعناية به عند السلف
1-قال ابن مسعود رضي الله:”لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل، قفوا عند عجائبه وحركوا به قلوبكم” مصنف ابن أبي شيبة(30782).
2-وقال أيضا:”كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهنَّ” أخرجه الطبري في تفسيره ج1: 80 والحاكم في المستدرك ج1: 557
3- وقال ابن مسعود أيضا:”من أراد العلم، فليثوِّر القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين” أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ج7: 165
ومعنى تثوير القرآن: تدبره والتنقير عن معانيه وكنوزه وعجائبه في كل مجال.
4-كان ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: “ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام ليلة بلا قلب”.
5-أخرج الطبري من طريق أبي الزناد عبد الله بن ذكوان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:”
التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه الا الله” تفسير الطبري ج1: 34
6- وقال الحسن البصري:”يا ابن آدم كيف يرق قلبك، وإنما همتك آخر السورة”.
7-وكان الفضيل بن عياض – رحمه الله – يقول: “إنما نزل القرآن ليُعمل به فاتخذ الناس قراءته عملاً.
قيل: كيف العمل به؟ قال: ليحلوا حلاله، ويحرموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه، ويقفوا عند عجائبه”.
8-قال الإمام أبو حامد الغزالي:” وليس معنى فهم القرآن حفظ تفسيره؛ فإن في معاني القرآن متسعا بالغا ومجالا رحبا لأرباب الفهم، وإن المنقول من التفسير ليس منتهى الإدراك فيه”. إحياء علوم الدين ج1: 290
9-مثال حيوي على التدبر في سورة (ق)
قال تعالى في آياته المشهودة: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ.إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:36، 37].
قال ابن القيم – رحمه الله -: “الناسُ ثلاثةٌ: رجلٌ قلبُه ميتٌ، فذلك الذي لا قلبَ له، فهذا ليست الآية ذكرى في حقه. الثاني: رجلٌ له قلب حيٌّ مستعدٌّ، لكنه غير مستمعٍ للآيات المتلُوةِ، التي يخبر بها الله عن الآيات المشهودة، إما لعدم وُرُودها، أو لوصولها إليه وقلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضرًا، فهذا أيضًا لا تحصُلُ له الذكرى، مع استعداده ووجود قلبه. والثالث: رجلٌ حيُّ القلب مستعدٌّ، تُليت عليه الآيات، فأصغى بسمعه، وألقى السمع، وأحضر قلبه، ولم يشغلْه بغير فهم ما يسمعُهُ، فهو شاهدُ القلب، مُلقي السَّمع، فهذا القِسمُ هو الذي ينتفع بالآيات المتلوَّة والمشهودة. فالأول: بمنزلة الأعمى الذي لا يُبصر. والثاني: بمنزلة البصير الطَّامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه. والثالث: بمنزلة البصير الذي قد حدَّق إلى جهة المنظور، وأتبعه بصره، وقابله على توسُّطٍ من البُعد والقربِ، فهذا هو الذي يراه. فسبحان من جعل كلامه شفاءً لما في الصدور فاعلم أن الرجل قد يكونُ له قلبٌ وقَّادٌ، مليءٌ باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يُوقعه على التذكُّر والاعتبار. فإذا سمع الآيات كانت له نُورًا على نور، وهؤلاء أكملُ خلق الله، وأعظمهم إيمانًا وبصيرةً”. ابن القيم، مدارج السالكين ج2، ص20
خامسا: فوائد التدبر:
ولبيان  بعض من فوائد التدبر وثمراته في حياة الأمة نلخص جملا من كلام العلامة ابن القيم توضح لنا أن التدبر هو أفضل علاقة تكون بين العبد وكتاب ربه، فهو قول وعمل وسمت وحياة فكرية كريمة في رياض القرآن، وهو عملية منهجية تربوية عقلية روحية تبعث الهداية الحقيقية في القلب، وتحقق النتائج والمخرجات التالية:
1-” إنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما. وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتَتُلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة.
2-تثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر.
3-تُشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها.
4-تُعــرِّفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم.
5- تـُعرِّفه مراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه.
6- تعرِّفُهُ الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.
7-تـُعـرِّفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه.
8-تُعرِّفه التمييز بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالَم؛ فتريه الحق حقا، والباطل باطلا، وتعطيه فرقانا ونورا: يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد؛ وتعطيه قوة في قلبه، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا.
9- تُعرِّفه أن  معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما يُنزَّه عنه من سمات النقص كما تعرفه تفاصيل الأمر والنهي، والشرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادئ والغايات: في خلقه وأمره”. مدارج السالكين،ج1″ 485، 486).
وهكذا نعي أنه لما كان القرآن روحا وطاقة ومنهاج حياة، وحبلاً يعتصم به من يخاف الغرق والهلاك والفتن؛ فإن التدبر نور ونبراس ومسلك يوصلك إلى هذه الكنوز العظيمة والفوائد الجليلة : هدايةً وبصيرةً، ويقظةً وتوبةً، وعلماً وعملا، وخشيةً وإنابةً، ووجلا وإخباتا، ورحمةً وسعادةً، وطمأنينةً واستقامةً، ومنفعةً واعتباراً، ونجاحاً وتوفيقا، وفوزاً وفلاحًا في الدنيا والآخرة؛ فهلا شمَّرتَ مع المُشمِّرين، وبادرتَ في قوافل المتدبرين؛ فأمنتَ الخوفَ يوم الحسرة، والفزعَ يوم الصيحة، والفقرَ يوم العَيْلة، والهولَ يوم القارعة.
أهم المصادر والمراجع:
1-قواعد التدبر الأمثل، عبد الرحمن حبنكه الميداني
2-مدارج السالكين، ابن قيم الجوزية
3-المعين على تدبر الكتاب المبين، مجد بن أحمد مكي
4-تفسير القرآن للطبري
5-تفسير القرآن للنسفي
6-إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
7-تفسير الجلالين:السيوطي والمحلي
8-الجواهر الحسان في تفسير القرآن للإمام الثعالبي
9-زهرة التفاسير للإمام محمد أبي زهرة
10-الدر المنثور في التفسير بالمأثور – للإمام  جلال الدين السيوطي – دار الكتب العلمية – بيروت – ط1-2000م
– 11-الإتقان في علوم القرآن – للإمام جلال الدين السيوطي – دار التراث – القاهرة
– 12-تدبر القرآن – سليمان السنيدي – المنتدى الإسلامي –ط1-1422هـ
– 13-تفسير القرآن العظيم – الحافظ ابن كثير – دار طيبة – ط2 – 1420هـ
– 14-فتح من الرحمن في بيان كيفية تدبر كلام المنان – د. أحمد منصور آل سبالك – المكتب الإسلامي –ط1- القاهرة

المصدر