مسجد المنستير.. قصة أقدم مساجد أوروبا في إسبانيا و«كنيسة المسلمين القديمة»

في جنوب إسبانيا، تضم جبال أراثينا 27 قرية لا تلقى شهرة كبيرة، لكنها تحتفظ بكنوزٍ أصيلة، ولكل قرية منها سحرٌ مختلف، أحد هذه الكنوز تحفظها قرية «المنستير لا ريال» في شمال مقاطعة ولبة. الذي يقع في تلة أعلى القرية ويكشفها في صورة بانورامية تمتد عشرات الكيلومترات من الطبيعة.

تتحدث مصادر تاريخية عن مرور «موسى بن نصير» بتلك المنطقة التي تقع في أحد جبال غرب الأندلس، على بعد 120 كيلومترًا من إشبيلية، وحوالي 40 كيلومترًا من مدينة «يابرة» الأندلسية التي تقع اليوم داخل التراب البرتغالي.

في أعلى تلة بالقرية حيث يغطي الجبال شجر الكستناء والبلوط، بُني المسجد في عهد الخليفة الأموي «عبد الرحمن الثالث» وكان جزءًا من قلعة المنستير التي سكنها قديمًا كل أهل القرية، واحتموا بها من غارات البرتغاليين.

كان المسجد في الأصل بناءً رومانيًا يعود للقرن الأول للميلاد، ثم شُيدت على أنقاضه كنيسة بناها القوط الغربيون في القرن الخامس الميلادي حين حكموا إسبانيا، وتحوّل إلى مسجد في القرن العاشر الميلادي في عهد الخلافة الأموية، ثم تحول إلى كنيسة في القرن الثالث عشر مع ما تحول من مدن ومساجد أندلسية.

وفي نهاية القرن الخامس عشر توقفت الغارات ولم يعد للقلعة أهمية، وبقي منها حلبة مصارعة ثيران بُنيت في الفناء القديم للقلعة، ومسجد المنستير الذي يحفظ الأرشيف العام لسيمانكاس وثيقة إسبانية مؤرخة في عام 1583 تشير إليه بـ«كنيسة المسلمين القديمة».

حفظت القرية بناء المسجد فلم ينله أذى سوى من بعض الكوارث الطبيعية بينها أحد الزلازل التي تسببت في هدم جزء من ساحة الصلاة أُعيد ترميمها بعد ذلك، وأُضيف إلى المسجد خلال فترة تحوله إلى كنيسة برج صغير أصبح مئذنة يعلوه صليب بقي منذ ذلك الحين في موضعه، ولفت دائمًا أنظار أهل القرية قبل زائريها، لكنه بقي إشارة إلى تاريخ المسجد والاحترام والتسامح بين الأديان.

خضع المسجد لترميمات استُوحيت من الهندسة المعمارية العربية، وتحوّل إلى مسجد مرة أخرى، وتم تسجيله عام 1931 معلمًا تاريخيًا دوليًا، ومع عودة الديمقراطية إلى إسبانيا تم ترميمه عام 1975 وفُتحت أبوابه منذ ذلك التاريخ أمام المصلين لأداء الصلاة.

يجمع الطراز المعماري للمسجد عدة أزمنة وثقافات إسلامية ومسيحية ورومانية وقوطية تتداخل لتشكل هذه التحفة المعمارية، ويتميز على بساطته بدقة بنائه، وتبلغ مساحة قاعة الصلاة فيه 118 مترًا مربعًا، يلي المدخل صحن الوضوء الذي حُفر في صخر من الجرانيت.

القرية تحتضن الثقافة الإسلامية

ظلت قرية «المنستير لا ريال» شاهدًا حيًا على التاريخ الأندلسي في إسبانيا ويشير كل معلم فيها إلى مرور المسلمين بها، وهي تحتفظ اليوم بالمسجد الريفي الوحيد الذي بقي من الآثار العربية في إسبانيا وتُقام فيه الصلاة إلى اليوم، وهو أقدم مساجد أوروبا، وقد احتضن أهلها معالم الثقافة الإسلامية، فبقي المسجد في أعلاها، واحتفل أهل القرية عام 1990 بمرور ألف عام على تشييده.

لا يتجاوز عدد سكان القرية 1.800 نسمة وهم يفتخرون بأصولهم ويعتبرون المسجد ثروتهم الحقيقية، ويضعون الإشارات التي توصل إليه في كل شوارع القرية، وترشدك لافتات إلى ضرورة ترك السيارة عند مدخله، كما أن شوارع القرية الضيقة ومنحدراتها الشهيرة تجعل المشي فيها رحلة ممتعة.

وتحتفظ ذاكرة المسنين هناك بصورة المسجد بناءً غامضًا كانوا يدخلون إليه في طفولتهم بحثًا عن كنوز يخبئونها بين جنباته، فيدلفون إلى الأنفاق المجاورة له بحثًا عن المفقود.

واليوم يعقد أغلب أهل القرية – مسلمون وغيرهم – قِرانهم في هذا المسجد الذي يحمل بناؤه تاريخهم المتعاقب، كما تتمحور حوله الأنشطة الثقافية والرياضية في القرية، حتى تلك التي لا تتعلق بالثقافة الإسلامية، فهو خط الوصول في مسابقة العدْو الريفي السنوية التي يشارك فيها رياضيون من القرى المجاورة، وتكون الجوائز في شكل مجسمات للمسجد، الذي أصبح شعارًا خاصًا بالقرية، تحمله وثائقها الرسمية ومنشوراتها.

4 أيام أندلسية كل عام

تعود البلدة لجذورها الأندلسية أربعة أيام كل عام فتُقطع طرق السيارات وتُقام سوق وأكشاك أندلسية، ويرتدى الباعة ألبسة أندلسية، تُشعر زائر القرية بأنه عاد للعصر الأندلسي، إذ تُخصص عدة أنشطة واحتفالات للاحتفاء بالثقافة الأندلسية منذ عام 1990، ويحتضن المسجد حوارًا ثقافيًا بين المسيحية والإسلام يعزز التعايش بين الثقافات، فتُعقد فيه المحاضرات والندوات في موضوعات عديدة يتابعها المسلمون الإسبان الذين يفدون لحضور هذه الأيام، وغيرهم.

في العام الماضي كان الشاعر والمفكر الصوفي «ابن عربي» في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته، كما شاركت دولة أندونيسيا لتكون أول دولة تُدعى للمشاركة في فعاليات هذه المناسبة السنوية التي تُعقد فيها ندوات ومؤتمرات حول الثقافة الإسلامية.

كما تُقام فيها حفلات الشاي وتُقدم الحلوى الأندلسية التي عُرف عن أهل القرية إتقان صناعتها وورثوها عن أشهر الشخصيات التاريخية في القرية «سيدي حسن المنستيري» الذي برع في صنع المجبنات وحلوى نواة الصنوبر، كما تُقام عروض الخيل والمسرح والموسيقى التي تستعيد سحر الأندلس.

كما يشارك الأطفال في هذه الأنشطة فيستقلون الحمير التي تُخصص هذه الأيام للوصول إلى أعلى التلة حيث المسجد ويتجمعون هناك للاستماع إلى الحكواتي بزيه المزركش وهو يجوب أركان المسجد ويحكي لهم حكايات ألف ليلة وليلة، يقطع صوته بين الحين والحين صوت الطبول، وهمهمات بعض الأطفال الذين لا يعرف بعضهم الإسبانية.

المصدر