مُترجَم: تفكر في تعلُّم لغة جديدة؟ ضع هذه اللغات في اعتبارك

أي لغة ستساعدني في الحصول على وظيفة؟ أي لغة ستصبح مهمة على مستوى العالم؟ أي لغة هي الأكثر إفادةً؟ أي لغة عليَّ أن أتعلَّمها؟ تعتمد إجابات هذه الأسئلة تمامًا للأسف على دوافعك واهتماماتك الخاصة، وليست قاصرة على تلك اللغات التي سأدرجها فيما يلي.

ولكن بغض النظر عن أفكارك عن هذه اللغات، فلا ضرر من معرفة بعض الحقائق عنها التي يمكن أن تقودك إلى طريق أو آخر. سأحاول مشاركتك بعض الاقتراحات التي تستحق التفكير والبحث إذا كنت محتارًا في اللغة التي ستتعلَّمها، أو متردِّدًا بالفعل في البدء في دراسة واحدة أو أكثر من هذه اللغات.

1- الألمانية

تلعب الألمانية الآن باعتبارها واحدة من أكثر اللغات تأثيرًا في أوروبا دورًا حاسمًا للغاية داخل دوائر العلم والاقتصاد العالمي. لدى ألمانيا إحدى أقوى اقتصادات العالم (وأكثرها نموًا)؛ إذ تُصنَّف ثاني أكبر دولة مُصدِّرة في العالم. الألمانية اليوم هي ثاني أكثر لغة اتصالًا بالمجتمع العلمي، وينصح عددٌ كبير من أساتذة العلم طلَّابهم بالاهتمام بدراسة اللغة اﻷلمانية.

ومن الأهمية بمكان التاريخ الطويل من الأعمال الأدبية والشعرية والفلسفية التي كُتِبت بالألمانية، تُقدَّر الكتب المكتوبة بالألمانية بنسبة 18% من كتب العالم، والأغلبية الشاسعة منها لم تُترجَم إلى الإنجليزية قط. كيفما نظرت إلى الأمر، ستجد الألمانية خيارًا ممتازًا لأولئك المحتارين في اللغة التي سيدرسونها.

2- الفرنسية

ربما تبدو الفرنسية للكثيرين لغة تاريخية في طريقها للاندثار. أثار مقال حديث لعالم اللغويات البارز جون ماكوورتر بعنوان «لنتوقَّف عن ادِّعاء أنَّ الفرنسية لغة هامة» جدلًا كثيرًا وردود فعل فرانكفونية عند نشره في فبراير الماضي، كان مقاله ردًّا على مبادرة مدينة نيويورك للتأكيد على أهمية تعليم الفرنسية في مدارسها. على أية حال، تشير مجموعة كبيرة من البيانات الحديثة إلى أنَّ الفرنسية قد تكون في الحقيقة أهم ممَّا نعتقد، فبينما هناك اتجاه واضح في الولايات المتحدة الآن نحو الإسبانية – ثاني أكبر لغة من حيث عدد المُتحدِّثين بها على الأرض – إلَّا أنَّ هذا الوضع قد لا يستمر، ربما تكون الفرنسية في الحقيقة مستعدةً لتصبح قوة لغوية عظمى في العقود التالية.

يوضِّح مقال حديث في فوربس أنَّ الفرنسية تمر الآن بنموٍ على نطاق واسع في الدول المستعمَرة سابقًا، وخاصةً دول جنوب الصحراء الكبرى. تشهد هذه الدول ـ أو من المتوقَّع ـ أن تشهد ازديادًا في النمو والتفاعل الدولي. وتقترح دراسة أجراها بنك ناتيكسيس الاستثماري أنَّ المتحدِّثين بالفرنسية على مستوى العالم سيبلغون 750 مليون شخص بحلول عام 2050، مع احتمالية زيادة العدد لتتجاوز الفرنسيةُ الإنجليزية، وربما المندرينية من حيث عدد المُتحدِّثين.

وإن لم يكُن انتشار لغة ما سببًا كافيًّا لتعلُّمها – وربما لا ينبغي أن يكون هذا أهم العوامل – فهناك أسباب أخرى تجعل الفرنسية لغةً من الرائع معرفتها. تتمتَّع فرنسا بتاريخ طويل من كونها مركزا للفنون والثقافة، وتُكرَّم صناعة السينما الفرنسية في أنحاء العالم؛ لأنَّها محل مولد السينما، وصاحبة بعض أعظم أساطير السينما الأوائل.

والأكثر من ذلك، أنَّها سهلة، حسنًا، ليست سهلة حقًّا، فلا لغة سهلة، ولكن الفرنسية مقارنةً بلغات أخرى كثيرة ليست سيئة بالقدر الذي تبدو عليه في البداية. ربما يبدو النطق في البداية مثل الكابوس بالطبع، ولكنك قد يفاجئك مدى سهولة فهمه بعد يوم أو يومين من التلعثم.

3- البرتغالية

تأتي البرتغالية في المرتبة السادسة من حيث عدد المُتحدِّثين، فتتباهي البرتغالية ب260 مليون متحدِّث تقريبًا، يقيم معظمهم في البرازيل. والبرازيل لا تمزح فيما يتعلَّق بالاقتصاد، فبينما تُرسِّخ أقدامها لتصبح قوة عملية دولية، وتجذب المستثمرين الأجانب أكثر من أي دولة أخرى، نجد الحاجة لامتلاك مهارات اللغة البرتغالية تتزايد بشدة، ولكن لا يتعلَّق الأمر بالبرازيل فقط، فالبرتغالية هي ثالث أكثر اللغات الأوروبية تحدُّثًا بعد الإنجليزية والإسبانية، وتنمو بسرعة أكبر من أي لغة غيرها – بما فيها الإنجليزية – في الاتحاد الأوروبي.

إنَّها لغة ذات تاريخ طويل من الاستعمار أيضًا، ولذا توجد في أربع قارات، أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا وأوروبا بالطبع، وهي اللغة الرسمية لتسع دول، وتوجد في دول أخرى عديدة.

تتشابه البرتغالية مع الإسبانية كثيرًا، إذا كنتَ تتحدَّث الإسبانية بالفعل ستتميَّز كثيرًا عند بدء تعلُّم البرتغالية، وأعتقد أنَّ العكس صحيح بنفس القدر، يتيح لك تحدُّث اللغتين القدرة المذهلة على السفر – والتحدُّث – في أنحاء أمريكا الوسطى والجنوبية، بالإضافة إلى دول أخرى حول العالم.

4- الإندونيسية

ليست الإندونيسية هي اللغة الأولى التي تخطر ببال الكثيرين عندما يُفكِّرون في تعلُّم لغة ثانية، ولكن قد يكون هذا السهو في غير محله، إذ يتحدَّث الإندونيسية أكثر من 300 مليون شخص في جنوب شرق آسيا، ويُقال إنها تتشابه مع لغات ماليزيا وسنغافورة، ممَّا يزيد من عدد المتحدِّثين الذين يمكن لدارس الإندونيسية التواصل معهم.

عليَّ أن أؤكِّد ثانيةً أنَّه ليست هناك لغة سهلة بصورةٍ خاصة، وتعتمد صعوبة اللغة على أشياء كثيرة جدًا، ولكن لا تبدو الإندونيسية لغة صعبة على نحوٍ خاص بمقاييس المُتحدِّثين بالإنجليزية. الإندونيسية في رأيي أسهل من الكثير من اللغات الآسيوية الأخرى، التي تشتهر بصعوبة تعلُّمها على نحوٍ خاص، وهذا لأنَّ الإندونيسية لا تحتوي على أزمنة أو أجناس أو نغمات، وترتيب كلامها بسيط يتكون من فاعل، ثم فعل، ثم مفعول به. وإذا لم تكُن ستزور إندونيسيا قريبًا، فليست هذه مشكلة، فوجود الثقافة الإندونيسية على الإنترنت الآن أكبر من أي وقت مضى، ومن السهل العثور على أشخاص للتحدُّث معهم عبر سكايب أو جوجل هانج آوتس.

5- الإسبرانتو

هي لغة لا تسمعها كل يوم، وليست هذه مفاجأة ضخمة بالنظر إلى عدد المُتحدِّثين القليل وعدم كونها لغة رسمية – لأي مكان – والاعتقاد الشائع بأنَّ ليست لها أية ثقافة، ولكن قبل أن تبدأ في التشكيك في صحة أكثر اللغات المصطنعة تحدُّثًا في العالم، اسمح لي بشرح المزايا التي قد تحصل عليها بتعلُّم هذه اللغة إذا حصلَت على فرصة في إثبات نفسها. ربما لا تصبح ضرورية للتواصل العالمي في المستقبل مثل بعض اللغات الأخرى المذكورة، ولكنَّني اعتقدت أنَّها تستحق ذكرها لأسباب أخرى.

إنَّ الإسبرانتو لغة مصطنعة مبنية بنسبةٍ كبيرة على اللغات الأوروبية، وخاصةً اللغات الرومانسية. وُضِعت في عام 1887 على يد لودفيج لازاروس زامينوف، الذي كان يأمل في صنع لغة محايدة سياسيًّا يمكنها مساعدة العالم عبر تعزيز الوحدة والسلام.

لم تنجح في ذلك بالطبع، ليس كما تمنَّى زامينوف على الأقل، فلم تصبح لها سيطرة على مستوى سياسي أو شعبي، وبرغم هذا، كان لها أتباع منذ ذلك الحين وأصبح لها مليونا متحدِّث تقريبًا، وهو عدد لا بأس به للغة مصطنعة.

على أي حال، الإسبرانتو لغة مثيرة للاهتمام لأنَّ هذه العملية الإبداعية جعلت زامينوف يجمع كل الأجزاء التي أعجبته من لغات أوروبا واقتطع كل الأجزاء التي لم تعجبه، ممَّا أنتج لغة سهلة جدًا (نسبيًّا) في تعلُّمها، فهي تستبعد كل التصريفات المزعجة، وهي صوتية للغاية، ومنطقية تمامًا، حتى أنَّ البعض قال إنَّه قد بدأ يجري محادثات باللغة بعد بضعة أسابيع فقط. وقد تُسهِّل الإسبرانتو من تعلُّم اللغات الإضافية (وخاصةً اللغات الأوروبية) كثيرًا.

وقبل أن تغضب لعدم وجود لغاتك المفضلة في القائمة، أقول إنَّ هذه القائمة ليست كاملة، إنَّها فقط بعض الاقتراحات، ولا أقلِّل من قيمة العمالقة، مثل: الإنجليزية والإسبانية والمندرينية، فتُعَد كل منهم خيارًا ممتازًا وتلعب كل منها – وستظل تلعب – دورًا هائلًا في سوق العمل الدولي، وفي مجالات التواصل الاجتماعي والبحث والتطوير حول العالم. تستمر قائمة اللغات إلى ما لا نهاية، ولم أقصد الاستهانة بأي من اللغات التي لم أدرجها.

رغم قيمة هذه اللغات، إلا أنَّه لا توجد لغة غير مهمة لمُتحدِّثيها، واللغات المهدَّدة بالانقراض ذات عدد المُتحدِّثين الضئيل ليست أقل أهمية أو استحقاقًا للتعلُّم، وفقدانها أمر ضار بالتجربة البشرية بأكملها، وليس فقط بالثقافات المفقودة. سيكون من الحماقة تجاهل اللغات (الأصغر) ولغات السكان الأصليين والثقافة التي تُمثِّلها وتهميشها، لذا أقترح اقتراحًا إضافيًّا: وهو التفكير بجدية في تعلُّم لغة صغيرة ومغمورة واكتشاف فوائدها المحتملة بنفسك، إذ ربما لن يكمُن مستقبل التواصل العالمي في اللغة العالمية المسيطرة التالية التي سيكون لها مليار متحدِّث، وإنما في مشاركة الأفكار والمعرفة التي تحتويها تلك اللغات، والتي ستظل خفية إن لم يحدث ذلك.

المصدر