يركضون في الضباب!

كانت الساعة السابعة صباحا، ودرجة الحرارة المسجلة في الغرفة سبعة عشر درجة فوق الصفر، نظر عبر النافذة جهة الشارع، كان اللّحام منهمكا في رتق قطع الحديد وشرر النيران يتطاير أمامه، تأمل ملامح وجهه لبعض الوقت، ثم كتبَ على صفحته: ” حقا إنه شعور رائع عندما تزاول عملك مبكرا، استيقظوا يا شباب، إن الوطن بحاجة لسواعدكم “. تململ قليلا في انتظار تهاطل التعاليق، بيد أن التفاعل كان بطيئا، يبدو أن الأصدقاء يغطون في نوم عميق قالها وهو يتثاءب. بعد لحظات وصله إشعار بوجود تعليق، فتحه وقرأ فيه العبارات التالية:
(( معك ابن الجيران، استيقظ أنت أولا يا صديقي، فلا يمكنك أن تبني الوطن وأنت نائم، إن كنت شجاعا حقا فهيا بنا لنمزق الخمول، ولنحرق أحلامنا البنفسجية على أسوار القصر الرئاسي وننثر رمادها فوق قبة البرلمان، كفاك تقمصا لهذه المثالية المتعالية كالدخان، إن الوطن الذي تتحدث عنه يقتلنا ببطء مثل علب السجائر، حبذا لو انقشعت من هنا أيها المثقف البائس، تباً لك، ولتذهب اللباقة إلى الجحيم )).
استشاط هو غضبا، وأخذ ينقبض ويرتخي مثل بالون في فم طفلة صغيرة، قام بحذف تعليقه وإلغاء صداقته ثم شتمه في منشور جديد تحت عنوان: ” القافلة تسير والكلاب تنبح “. علق له بائس آخر أكلت البطالة خمسة أعوام من عمره، عاد لتوه من آبار الذهب والغبار يعلوه هاربا من الضرائب المجحفة، كان يقضم شفتيه ندما على تلك السنين التي ضيعها في مقاعد الجامعة، علق له قائلا:
(( لماذا لا تقول: القطار الكهربائي يسير والسيارات تصفّر، نحن في القرن الواحد والعشرين أيها المعتوه، لو أن زمن القوافل يعود لكنت الآن قاطع طريق كبير مثل الصعلوك المحترم للغاية عروة بن الورد )).
قام بحظره أيضا وأخذ يكتبُ، بيد أن هاتفه انطفأ، ربطه بالشاحن غير أن الكهرباء كانت مقطوعة، قال في سره ” تبا للحكومة “، ثم لف عليه البطانية الغليظة وعاد إلى النوم…
بعد ساعات..
طرقَ أحدهم الباب بكل قوة وكاد أن يكسره، قام لينظر إليه بحذر من الثقب الموجود في الباب، وضع حائلا شفافا من الزجاج يشبه صناديق الاقتراع بينه وبين الثقب، خشي أن يكون الطارق يحمل مسمارا حادا سيفقع به عينه. لم ير ملامحه وجهه بوضوح تام، كان طويلا كما يبدو، رأى ثيابا زرقاء تسد فتحة الثقب، ما هذا الكائن الضخم يا ترى؟ ولماذا يطرق الباب بهذا العنف؟ الغريب حقا أن ضجيجه المدوي لم يوقظ الجيران! من يكون يا ترى؟
ذهب للمطبخ وأخذ سكينا حادة ومطرقة وعبوة الغاز، ثم حمل الجميع ناحية الباب، وضع السكين في يده ثم وضع المطرقة على عبوة الغاز وكومهما في الزاوية اليسرى لتكونا سلاحا إحتياطيا له…
أزاح فتحة الباب وفي حركة بهلوانية سريعة جدا التصق بالجدار شاهرا السكين في يده، كأنه بطل فلم هندي كان يراوغ الرصاص ويقفز من المباني العالية، انفتح الباب لكن أي شيء لم يدخل منه!
استغرب من ذلك الصمت، بيد أنه تذكر مثلا كان يسمعه غالبا يتردد على ألسنة الناس: ” إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة “. بقي ساكنا كتمثال خشبي يترقب تلك العاصفة التي ستحرك ستائر المنزل وتسقط الأواني. عيناه كانتا مثبتتان ناحية الباب مثل كاميرا مراقبة، وقلبه كان يخفق بشدة كطقطقة ساعة يدوية قديمة..
فجأة انسكب سائل أزرق رقيق من أرضية الباب، وتدفق ناحية الصالون، حسبه قنبلة مائعة، أخذ يخطو بتباطؤ كي يرى من يقف وراء الباب وتسبب في سكب السائل، من أجل ذلك أخرج السكين أولا حتى يزرع الرعب داخل قلبه وعقله، لكن الممر كان فارغا، وأبواب الشقق المجاورة كانت موصدة تماما…
التفت عائدا والذهول يلتهم فضوله، بيد أنه تفاجأ بوجود كائن أزرق مفتول العضلات ينتظره، لم يكد يرفع سكينه حتى داهمه الكائن الأزرق بالضربات العنيفة، تعاركا ثم تراشقا حتى غيروا ترتيب الوسائد وحطموا كل الأجسام القابلة للكسر، كان الكائن الأزرق يخاطبه غاضبا: ” كيف تقوم بإلغاء صداقتي، ثم تشتمني أمام الملأ “. حمله، ثم قفز به من النافذة، سقطا معا داخل الشارع، كان يقاوم لكماته، بينما كان المشاة والجالسون في السيارات يرمقونهم بنظرات بعيدة، وملامح وجوههم مغلفة بألوان الدهشة والذهول. تملص من قبضة الكائن وقد تخرمت لشدتها خيوط قميصه البني. أخذ يركض بكل تلك الطاقة الكامنة في جسده، كان الكائن الأزرق يتبعه وهو يهدده بكلمات حادة: ” سأقتلك وأقطع لحمك إربا إربا ثم أقدمه بعد منتصف الليل للقطط الجائعة في أزقة المدينة.
تصاعدت أنفاسه وأخذ يحدث نفسه: ” ماذا أصاب هؤلاء الناس، الكائن الأزرق يطاردني ليقتلني، وهم في غيابة الحياد ينظرون لصراخي بنظرات باردة ويتمتمون بأدعية خافتة جدا، كأنهم ينظرون إلى مجنون يرقص على هزيم الرعد وأهازيج الرياح والأمطار..
تجلت له في نهاية الشارع دورية عسكرية، جعلها وجهة لخطواته المتثاقلة، كان الكائن الأزرق يدنو ثم يبتعد عنه قليلا ويواصل تهديده، يكاد أن يمسك بتلابيب ثيابه، دلف تلك المتاريس التي نصبتها الدورية دون يعبأ لتحذيراتهم المتصاعدة مرددا؛ أنقذوني أنقذوني. سيقتلني ثم يطعم لحمي القطط الجائعة…
العسكري يخاطب زميله باقتضاب، إنه يشبه في ملامحه ذلك المدون المشهور الذي يكتب في كل شيء، يا ترى ما الذي أصابه حتى يحدث نفسه في الشوارع؟
الكائن الأزرق يهاجمه بغضب عارم، ويطرحه أرضا، بينما هو يقاومه بصعوبة وقد أعياه التعب، تملص منه، ثم قام يركض كالمجنون..
مر على دكان خياط ارتمى فيه وهو يلهث بشدة، امسك ركبتيه بيديه ثم جلس ببطء فوق الأرضية، وقال: ” انقذوني منه، الكائن الأزرق يريد أن يقتلني، انظروا، إنه يقترب مني، أنا مدون مشهور وأعدائي كثر في العالم الافتراضي”.
الخياط يقرأ التعاويذ عليه ثم يبصق عليه، تماسك، لا أحد يطاردك، إننا لا نرى أحدا يهاجمك. الزبناء الجالسون في المحل يقولون له نفس الشيء. لكنه بصره مازال زائغا ويهش بيديه في كل إتجاه كأنه يصارع الهواء..
أفاضوا على رأسه الماء لكن الكوابيس ظلت تلاحقه، لكن طفلا يافعا قام من بينهم قائلا: أنا أعرف علته، وأخذ يفتش جيبه ثم أخرج هاتفه ووضعه في الشاحن ثم قام بتشغيله، فتح صفحته على الفيسبوك وسجل منها خروجه. نهض من بينهم مبتسما ومستغربا وهو يردد: ” لقد اختفى الكائن الأزرق، اختفى… “.
قال لهم الطفل ” المساكين يشيدون أمجادهم من الضباب ”
سأل هو الطفل: ” هل تعرفني؟ ”
أجابه الطفل وهو يبتسم: ” نعم أعرفك بكل تأكيد، أنا حبيبتك سلمى في الفيسبوك ولدي معظم أسرارك، ثم أخذ يركض وأختفى عنه في شوارع المدينة المضببة بالغبار والدخان وأنفاس الفقراء والمظلومين “. ليخاطبه من بعيد بحكمة سمعها بكل صعوبة: ” إذا كنت كذابا، فستلتقي بالكثير من الكذابين في حياتك “.
حقوق ” النسخ ” و ” اللصق ” ليست محفوظة، لكن الله لا تخفى عليه خافية.
#خلوها_تفلس
#القدس_عاصمة_فلسطين
هنا نواذيبُ. ودرجة الحرارة 19° ورائحة البحر باردة بسبب الراحة البيولوجية.
الصورة من منقولة.
الساعة 20:25 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

من صفحة المدون: khaled elvadhel