خمسة أصوات وسبع دقائق!/ خالد الفاضل

بفضل المنبه البيولوجي استيقظت صباحا كعادتي، وذلك قبل أن أسمع زقزقة الطيور وصياح الديكة وأرى شمس فاتح أيلول المثيرة تتسلق سماء غابة الاسمنت(نواكشوط).

بعد أن أخذت حماما منعشا بعد ليلة مضغوطة غاب عنها النسيم الاصطناعي وكنت فيها عرضة لباعوض لا يرحم، صليت، ولبست أحسن ثيابي وتعطرت كأنه يوم عيد، كانت الساعة تشير إلى 06:45 وذلك بتوقيت الحي الإداري بمقاطعة توجنين.
كنت أشعر بمعدتي وهي تغالب الطوى، وذلك بعد ليلة طويلة من (الصمت الانتخابي)، لكنني مع كل ذلك؛ أحجمت عن إعداد الفطور لها، فلابد أن أذهب للإدلاء بصوتي وأنا ضامر البطن مثل معظم المواطنين.
كانت سيارات الأجرة قليلة العبور من الشوارع، بعد أن دلفت أحداها سرعان ما انكشف لي السر وراء ندرتها، فعلى ناصية الشارع العام تكدس عدد كبير من سيارات الأجرة على هيئة طابور، لولا ملامحها المتآكلة لحسبتها بورصة لبيع السيارات المجمركة.

قال لنا أحد الركاب إنها سيارات تابعة لأحد الأحزاب خصصها لتسهيل تنقل ناخبيه، تعرفت على هوية الحزب أثناء عودتي، عندما لمحت موظفا ساميا أعرفه؛ يتنقل بينها ويهش بعصا نفوذه على ملاكها.
عند ملتقى الرابع والعشرين المشهور بسوق بيع لحوم الأنعام وتغسيل الموتى وتشيعهم، نزلت من السيارة ثم ركبت سيارة أجرة أخرى. عندما مررت بمحاذاة مستشفي الشيخ زايد قررت حمل نظرات المرضى وذويهم معي إلى صناديق الاقتراع. بعد أن أصبحت رفقة الجوع والمرض، توقفت بنا السيارة على رمال رخوة قبالة مدخل الاعدادية رقم 2 في توجنين، كانت ملامحها رثة، حينئذ أضفت مشاكل التعليم إلى الجوع والمرض فأصبحوا ثلاثة رابعهم مواطن.
وصلت مكتب تصويتي في حدود 07:12 تقريبا، دخلت الطابور المزدوج(طابور للنساء وطابور للرجال).

كانت أمامي ست من النساء وخمسة رجال، بينما كانت طوابير تلك المكاتب المجاورة لنا طويلة للغاية عكس مكتبنا..
لاحظت أن معظم الوافدين للتصويت صباحا من الطبقات الهشة من الشعب، ثيابهم رثة وقسماتهم باهتة. بعضهم وصل تائها، خاصة ثلاث نسوة عدن أدراجهن يبحثن عن مكتب آخر، ورجل مسن كان أمامي وبعد أن دخل ليصوت خرج مسرعا؛ فلم يكن هذا مكتبه، بل كان المكتب المجاور الذي كان طابوره طويلا للغاية. بعض المواطنين لم يكن يعرف رقمه بداخل السجلات الانتخابية، أحدهم لما أرشدناه لخدمة الرسائل لمعرفة رقمه ومكتبه وقام بتفعيلها، لم تصله الرسالة بسرعة، كانت خطوط الهاتف ضعيفة كما أفصح لي، عندئذ؛ أضفت رداءة الخدمات إلى الجوع والمرض والجهل، فأصبحوا أربعة خامسهم مواطن.
لم ألاحظ أية دعاية انتخابية في طابورنا باستثناء امرأة تدعو بمرح الواقفين في الطابور للتصويت على (الجمل).
عند خروج أول ناخبة من المكتب منذ وقوفي، وعند 07:20 دخلت امرأة من طابور النساء كي تصوت، بعدها؛ وفي حدود 07:27 دخل رجل عند خروج ناخب آخر. عند 07:30 خرجت المرأة؛ أي أن تصويتها استغرق عشر دقائق، أما الرجل فخرج عند 07:34 أي أن تصويته استغرق سبع دقائق. عند الساعة 08:03 وصل دوري للتصويت، أي أن تصويت أحد عشر ناخبا كانت قبلي في الطابور تطلب قرابة ساعة زمانية.
دخلت المكتب المكون من ثلاثة صفوف من الطاولات، في أول صف ظاهر منها تجلس الرئيسة وأعضاء المكتب، ممثلو لوائح المترشحين جلسوا ملتصقين بالجدران، أما صف الطاولات في وسط القاعة فنصبت عليه صناديق الاقتراع الخمسة، والتي بدا من لمعانها الخافت أنها مستعملة(غير جديدة).

خاصة أن أحدها كان مكتوبا عليه (التاكلالت). أسمعت الرئيسة رقمي وأعطيتها بطاقة تعريفي، عثرت على اسمي بسرعة؛ ثم وسمته بعلامة بقلمها؛ ثم نطقت معلوماتي بصوت جهوري حتى سمعه ممثلو اللوائح وأخذوا يتأكدون من وجوده في القوائم.

ناولني العضو الثاني القوائم الانتخابية، وما أطولها. أرشدتني الرئيسة إلى الطريق عندما انحرفت عنه ذات الشمال، وقد خاطبتني قائلة: (يا دكتور)، هل أصبحت حقا أشبه الدكاترة!
دخلت من وراء الستار وأخذت القلم، نشرت تلك القوائم أمامي كأنها أسئلة امتحان عويص، أحسست وكأنني في غابة او سوق لكثرة ما طبع عليها من الشعارات(حيوانات وأشجار وآلات). لم أتسرع في تثبيت الباء، خاصة عندما نسيت رقم أحد المترشحين ممن عقدت العزم على التصويت له، أخذت وقتا في البحث عنه داخل أدغال الشعارات. في بعض اللوائح؛ تمددت مساحة وقت الاختيار. التي حل علي الصباح وأنا متردد في من هو الأصلح منها لتزكيته.
بعد إنهاء العملية الشاقة ذهنيا ونفسيا وطي كل القوائم وقفت قبالة الصناديق لكي أدخلها، لكنني أصبت حينها بعمى الألوان وبصعوبة غير مبررة في تمييزها، أرشدني أحد الأعضاء لوضع كل واحدة منها في الصندوق المناسب لها.
في الساعة 08:10 أنهيت عملية تصويتي، أي أن مدتها قد استغرقت 7 دقائق، وذلك بالرغم من أنني رئيس مكتب سابق ولدي الخبرة ولست أميا(أكتب واقرأ).
بعدما غمست أصبعي في الحبر اللاصق خرجت وأنا أرجو من الله أن تتكدس الغيوم أكثر في أديم السماء، حتى تظل ظلالها رداء يحمي رؤوس الموطنين من أشعة الشمس الحارقة؛ في هذا اليوم الطويل والشاق والمفصلي من أيام الوطن المثيرة للقلق والأمل على حد سواء…
كانت العملية حسب ما رأيت في بواكيرها هادئة وسلسة رغم البطء الشديد جدا، ربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة وربما لا. على كل حال؛ لن يكون مساء السبت بنفس هدوء صباحه؟
ولن تكون موريتانيا طبعا هي موريتانيا ما قبل فاتح سبتمبر 2018. هناك شيء سيتغير وكل الاحتمالات مفتوحة.
هنا نواكشوط. الساعة 14:34 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

من صفحة المدون: خالد الفاضل