رؤى لتطوير المنظومة المحظرية (1)

كانت “شنقيط” وستبقى حاضرة إسلام ومنارة علم، وهمزة وصل بين الشمال والجنوب، يفد إليها طلاب العلم والباحثون من قارات الدنيا لينهلوا من تراثها الثر، ويحوزوا شرف الطلب على علمائها العاملين وأساتذتها المجيدين، الذين عرفوا بالإحاطة والرسوخ العلمي، والعمق المعرفي، والحفظ لمختلف العلوم، وسائلها وغاياتها، لأنهم تأسسوا في “جامعات الصحراء / المحاظر” وفق منهجها التعليمي الفريد.

ولم يقتصر إشعاع “شنقيط” على الإقليم، بل تقلد سفراء المحظرة أرفع المناصب العلمية وبذوا الأقران في مهاجرهم، فهذا ابن التلاميد يتصدر المشهد في مصر، وباعتراف طه حسين “لم يكن درس اللغة العربية بالأزهر مهما قبل مجيء الشيخ الشنقيطي”، كما انتدبته الخلافة الإسلامية لمهمة حصر الكنوز العلمية في أوربا، وهو من أخرج للأمة القاموس وغيره من دواوين العربية، وعلى منواله نسج أئمة أعلام، منهم العلامة المجيدري حبيب الله، والعلامة محمد الأمين الحسني نزيل الزبير وشيخها، والعلامة الإمام محمد الأمين الشنقيطي صاحب الأضواء، والعلامة محمد الخضر مايابى، والعلامة أحمد الأمين، ولا تزال آثارهم شاهدة على عمق التأثير في حواضر المشرق حتى اليوم.

لكن استمرار “نموذج شنقيط المعرفي” مرهون ببقاء “الدرس المحظري”، ولن يكون ذلك إلا برصد التحديات والمخاطر التي تتهدد المحاظر، ووضع الخطط لمواجهتها، مع توفير الإمكانات اللازمة للارتقاء بهذه المنظومة المهمة، وتنسيق وتكامل جهود الجهات المعنية، وتنظيم اللقاءات التي يتداعى لها المختصون والفاعلون المحظريون للخروج بخارطة طريق للمرحلة، توائم بين مطلبي: المحافظة على أصالة المنظومة وتميزها والاستفادة المثلى من الوسائل والمناهج المعاصرة.

ومن داخل منظومة المحظرة أقدم لمن يهمهم الأمر هذه المقاربات والرؤى، التي لم تكن وليدة اللحظة (بل تشكلت على مدى ربع قرن من العمل)، مع الاسترشاد بالفكر المعاصر في الإدارة والتنظيم، مكتفيا بإبراز “الخطوط العريضة” دون الدخول في التفاصيل.

1. تطوير الوسائل مع حفظ “النموذج”:

 أول شرط للتطوير في تقديري: إبقاء المحظرة “محظرة”، باعتبارها منظومة علمية لها منهجها الخاص وطرائقها في التعليم، وليس من التطوير في شيء: الانقلاب على سر التميز ورمز الأصالة في المنظومة، فجعل المحظرة مدرسة أو معهدا أو جامعة لها مقرراتها الموحدة ومستوياتها الدراسية يعني بالضرورة القضاء على شروط “الدرس المحظري”: حرية الطالب في الاختيار – مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب – المقرر الواحد، لذا فإن التطوير يكون بالإبقاء على فلسفة “الدرس المحظري”، مع عصرنة الوسائل والوسائط التعليمية والتنظيمية، ووضع الخطط اللازمة للتدريب والتأهيل وصقل المهارات، ومواجهة تحديات الموارد والهيكلة، وسد بعض الفجوات في المقررات الدراسية.

ويجمع المتابعون للتجارب المعاصرة على أن المعاهد والجامعات الإسلامية لم تستطع أن تنجب علماء بنفس عمق وإحاطة التعليم الأصلي، كما أن رفد المنظومة بمقررات كثيرة غير تخصصية أدى إلى تشتيت الطالب وشغله عن هدفه الأسمى، بل وإلى “تذويب” المنظومة الأصلية، تماما كما حصل مع “الجامع الأزهر” بعد قانون التنظيم (103 لسنة 1961) الذي حوله من “جامع” له تفرده على مر القرون إلى مجرد جامعة تابعة، شأنها شأن باقي الجامعات.

2. من “الفردية” إلى التنظيم والضبط المؤسسي:

لظروف النشأة في بيئة صحراوية يتتبع سكانها مواطن القطر ومنابت الكلأ، اتسمت منظومة المحظرة بالفردية مع ما تعنيه من مركزية في القرارات، وضعف في التنظيم والضبط المؤسسي، وقد انتقلت ببعض هذه السمات إلى المدينة، مما يتطلب سعيا حثيثا لاستكمال شروط البناء المؤسسي، تحقيقا للكفاءة في الأداء وضمانا للاستمرار (حتى لا يرتبط وجود المحظرة بحياة شيخها)، ويكون ذلك بما يلي:

– تحديد أهداف وطبيعة واختصاص وحدود المحظرة المعنية في ضوء الموارد التنظيمية والبشرية والمادية المتاحة.

– الهيكلة التنظيمية في ضوء الأهداف والموارد (مع وضوح في توزيع الصلاحيات والمسؤوليات).

– وضع آليات وإجراءات للعمل تضمن الرقابة والمتابعة وتقييم الأداء.

– وسنعمل بإذن الله على إصدار دليل إرشادي وترتيب لقاءات ودورات تدريبية حول هذا المطلب الملح.

3. التكامل بين منظومتي المدرسة والمحظرة:

 لأهمية هذا المحور سأطيل الحديث فيه قليلا، إضافة إلى المقالة المنشورة قبلا، لأن التكامل المرجو سيحقق مكاسب كبيرة للمنظومتين، خاصة إذا بادر الفاعلون التربويون إلى فتح حوار مجتمعي حول أزمة التربية والتعليم، والسعي لتعميق وعي أولياء الأمور بضرورة الاستفادة المثلى من المنظومتين، وكيفية التغلب على ما يعترض ذلك من تعارض، وفي تقديري تتمثل أهم مسوغات الجمع بين المنظومتين في الآتي:

– التأسيس التربوي الشامل للمسلم الصالح ضرورة للعيش في الزمن الصعب، وتعقيدات الحياة المعاصرة تتطلب تأهيلا متوازنا: علميا ومهاريا وسلوكيا ووجدانيا.

– لا جدال في عمق وأصالة الدرس المحظري، وأهميته للتأسيس والتفوق في الدراسة النظامية، ولا خلاف أيضا في أهمية الدراسة النظامية، فبدونها يعاني الطالب المحظري فجوات معرفية، وغيابا للتكوين والتأهيل اللازم لأداء الفروض الكفائية التي يحتاجها المجتمع المسلم.

– باءت محاولات “التأسيس المزدوج” بالفشل فلم يبق غير التنسيق والتكامل، إذ لم تُوَّفَّق تجاربُ عصرنة المحظرة في تقديم دراسة نظامية إلى جانب المحافظة على أصالة وعمق الدرس المحظري، تماما كما فشلت المؤسسات النظامية في تعويض دور المحظرة.

– غياب التنسيق والتكامل بين المنظومتين أدى لضياع أجيال من نشء الأمة، لم تتلق في المحظرة التأسيس اللازم، وفاتتها فرصة الالتحاق بالمنظومة الرسمية، فخسرت في الحالين.

– حققت تجارب التنسيق والتعاون بين المنظومتين على ندرتها نتائج هامة، أثمرت تفوقا دراسيا مع حفظ كتاب الله عز وجل، وتعلم ما لا يسع المسلم جهله من علوم الدين وسائل وغايات.

آليات التكامل:

يكون التكامل في تقديرنا وفق النماذج المرحلية التالية:

– “نموذج المدرسة أولا”: ينتظم الطالب في المدرسة بشكل تام، على أن تقدم له المحظرة برنامجا ميسرا مكملا، يتواءم وظروفه وإمكاناته وجدوله الزمني، وستكون لذلك آثاره العميقة على المستويين المتوسط والبعيد.

– “نموذج المحظرة أولا”: ينتظم الطالب في المحظرة بشكل تام، على أن تقدم له المدرسة تقوية في المواد المكملة، وهو ما يتيح له الاندماج في المنظومة التعليمية عند الحاجة، أو الحصول على التكوين اللازم على أقل تقدير.

– “نموذج التكامل أو الشراكة”: في مرحلة متقدمة وبعد تقييم التجربة والحصول على الموافقات اللازمة يمكن أن تتكامل المنظومتان فتقتسمان المقررات الدراسية، وتضعان خطة تجنب الطالب الازدواج، وتوفر عليه وقته وجهده.

هذه المقاربات صمام أمان للمنظومتين، وشرط لبقاء النموذج المحظري بأصالته وعمقه.. معها تبقى المحظرة محظرة والمدرسة مدرسة، ونتجاوز هذا الارتباك الحاصل، والتعارض الذي يدفع الأبناء فاتورته كل يوم.

باب أحمد محمد القصري