زكاة الفطر والتعليل الاقتصادي/ باب أحمد القصري

يحتد النقاش كل عام حول حكم إخراج زكاة الفطر نقدا، وليس ذلك بالأمر الجديد، فمن أهل العلم قديما وحديثا من يرى الجواز إن اقتضت مصلحة الفقير، ويسوق أنصار “الخيار النقدي” عادة جملة من التعليلات وحديثا حول المصالح وحكمة التشريع، بينما يتشبث أنصار “خيار الإطعام” بالأصل، ولا يرون عن النصوص محيدا، فلا علة أوضح ولا أصرح ولا أعلم ولا أحكم من أمر الشارع الحكيم، ولا أتقى من لزوم السنة واتباع هدي الأمين صلى الله عليه وسلم.

إن إمساك أنصار خيار الإطعام عادة عن التعليل لقوة الدليل، جرأ بعض المعاصرين – من غير أهل الفقه – على الانتصار الفج للخيار النقدي والإزراء بخيار الإطعام، والإشارة من طرف خفي إلى أنه لم تعد مصلحة شرعية لإعمال المكاييل في البر والشعير والتمر والزبيب… بل تندر أحدهم قائلا: غالب قوتنا في أمريكا البرجر والكوكاكولا.. وصرح آخر بأن خيار الإطعام تحجر وانغلاق وجمود!.. وقد أُتي هذا المنفتح المسكين من قصوره العلمي وارتهانه للمزاج السائد.

وقد أجَلت النظر في تعليل إخراج صدقة الفطر طعاما، فدونت من ذلك إضاءات في الشرع والاقتصاد والاجتماع والتربية، ولضيق الوقت وانشغالات العشر أشارك القراء الكرام طرفا من التعليلات الاقتصادية، في انتظار فرصة للتفصيل والتأصيل، وإليكم هذه الإضاءات العشر في نقاط مختصرة مركزة، بعيدة قدر المستطاع عن لغة التخصص تقريبا لغير الاقتصاديين:

1. إن مبدأ صرف الصدقات والهبات عينا لا نقدا معروف شائع ذائع، تلتزمه الدول والمؤسسات والأفراد باعتباره مصلحة محقِّقة للاستفادة المثلى من الدعم، بخلاف النقد الذي يسهل تبديده وتوجيهه لغير الهدف، نجد ذلك مثلا في هبات الدول الغنية للدول الفقيرة، وفي بطاقات التموين وبنوك الطعام، وفي دعم بعض السلع الاستراتيجية وتحمل الدولة جزءا من فاتورتها، تأكيدا لمنافع “الصرف العيني”، واتساقا مع مقتضيات الحكامة وحسن التدبير.

2. “النقد” في التشريع الإسلامي ليست له تلك المركزية، وقد حرم الله الربا للمخاطر الاقتصادية والمالية الماحقة لتغول الاقتصاد النقدي، ودوره في تهميش اقتصاد السلع والخدمات والمنافع (الاقتصاد الحقيقي)، إذ من المعلوم أن البشرية دفعت ولا تزال تدفع ثمن توليد الثروات الوهمية وتضخيمها في شكل أرصدة نقدية، دون أن يقابل ذلك اقتصاد حقيقي يضمن مصلحة ورفاه الإنسان، فيما بات يعرف بحالة الفقاعة.. فكأن الأمر النبوي بإخراج زكاة الفطر من أصول المطعومات تأكيد على مركزية هذه الأصول العينية وأهميتها في ضمان العيش الكريم لبني الإنسان، وليبقى النقد وسيلة للتبادل ومستودعا للقيمة لا سلعة للتربح.

3. ثم إن تعويد المسلم على إعمال المكاييل في أصول المطعومات – وهو يمارس شعيرة ربانية سنوية – فيه ربط للفرد والمجتمع بالغلات والمنتجات الزراعية، وتأكيد على أهمية الإنتاج، لا أن تدمن الأمة التعامل مع المنتجات الاستهلاكية الجاهزة، فتكون بذلك عالة على الغير، تستمرئ السلبية والاتكالية.

4. في خيار الإطعام تحريك لسوق المنتجات الزراعية وتنشيط لها، وتذكير للأجيال المستلبة بمركزية المنتج الزراعي وأهميته، وأن به قوام الدين والدنيا، وأن أمة لا تأكل من خيرات بلادها محكوم عليها بالذل والتبعية، وحين تنسى الأمة هذه الحقيقة وتغفل عن الأصناف وأصول المطعومات، فإن مناسبة شرعية سنوية تأتي لتذكر الناسي وتنبه الغافل، فينجفل الجميع بحثا عن “الأصناف” المقررة لأداء الشعيرة.

5. ربط المستهلك المسلم بالأصناف واعتبارها شرطا لأداء هذه الشعيرة المستقرة المتكررة فيه حفظ واستقرار للعادات الغذائية الصحية، ولا يدرك قيمة وأهمية هذه النقطة إلا من عرف الآثار المدمرة للوجبات السريعة والمنتجات المعلبة، وفاتورتها الصحية الباهظة، وإسهامها في ارتفاع نسب المصابين بالأمراض المزمنة، التي تشل قدرة الكثيرين، وتجعلهم عالة على الدولة والمجتمع بدل كونهم فئة منتجة.

6. ربط المسلم بالأصناف التي هي أصل المطعومات معين على الاستجابة لأمر الباري جل وعز: (فلينظر الإنسان إلى طعامه)، وإدراك نعمة وحقيقة (متاعا لكم)، مما يعتبر ركنا مؤسسا في السلوك الاقتصادي وفلسفة الاستهلاك، والتزاما بأحكام وآداب الشريعة السمحة.

7. التعامل مع الأصناف والغلات غير الجاهزة للاستهلاك، معين على إدراك قيمة العمل وأهميته في تحقيق الرفاه وخلق المنافع، فيرى المسلم من صغره أن قطعة الخبز مثلا مرت بعشرات المراحل قبل أن تصل إليه، زراعة وسقي وتعاهد وحصاد وتصفية وتعبئة ونقل وتخزين وتوزيع وطحن وتغليف وتوزيع وبيع وعجن وخبز وإنضاج وتهيئة وتغليف وتوزيع وعرض للبيع!.. وكلها مراحل مهمة تولى القيام عليها أفراد من المجتمع الاقتصادي، فإذا كانت قطعة الخبز وحدها تطلبت كل هذا الجهد والتكامل فما بالك بغيرها؟!..

8. البعد الاقتصادي حاضر في أبواب الديات والكفارات والفدى، في تكامل وانسجام معجز بين الشعائر والمنافع، وليس الإطعام إلا أداة اقتصادية من بين أدوات أخرى (العتق والكسوة…)، ولكل أداة أحكامها وحكمها، فهل سيُلزمنا النقديون غدا بتصفية هذه الأدوات عن طريق التوريق (التكييش)؟!.. أليس أتقى وأبقى لزوم الأصل ونحن نقرأ أحكام هذه الأبواب في صريح الكتاب وصحيح السنة؟!.

9. ليس الفقير في يوم عيده مظنة الرشد في القرار الاقتصادي، لذا فإن إخراج الطعام محقق للغاية من صدقة الفطر (طعمة للمسكين)، بينما يوجه النقد في الغالب لإشباع الرغبات تحت ضغط العادات، وقد لا تكون هذه الرغبات أولوية في ميزان الشرع، إذ تشير الأرقام في اقتصاديات الأعياد إلى تضخم بنود من قبيل: الألعاب والزينة، والملابس وما يتصل بها (ولو كانت الكسوة مقصودة في صدقة الفطر لذكرها الشارع كما في الكفارات مثلا).. تصور معي فقيرا بيده نقود من صدقة الفطر أتراه يحتمل دموع صغيره وهو يريد ألعابا نارية ومفرقعات يشارك بها أترابه من أبناء الميسورين؟!. صحيح أنه قد يبيع الطعام بأقل من ثمنه لنفس الغرض، لكن ذلك يردنا للنقطة الأولى، وهي أن النقود أيسر تبديدا من المنتجات العينية.

10. قرأت كلاما فيه تقليل من الأهمية الاقتصادية للإطعام، وهو افتئات على الفقير، وإنزال للمسكين منزلة ذوي البطون المتخمة، ومن عضه الجوع وأضناه الفقر يدرك نعمة الإطعام، ولعل هذا مؤشر يصلح لتصنيف الفقراء المستحقين للصدقة، إذ أن الخطأ في التوزيع واختلال آلياته والتفريط في فرز المستحقين قلل من العائد الاقتصادي لهذه الشعيرة العظيمة.

وأخيرا، خذها قاعدة أيها الموفق!..
إياك أن تستسهل علم أو عمل سلف هذه الأمة من أهل القرون الخيرين، أو تظن أن المعاصر مهما بلغ في العلم والفهم مؤهل للتقديم بين يدي السلف، أو قادر على الحسم في مسائل الخلاف العالي، وحين ترى القوم كفوا عن التعليل والجدل واستقر عندهم العمل، فاعمل بوصية الإمام العادل عمر بن عبد العزيز: “قف حيث وقف القوم، وقل كما قالوا واسكت كما سكتوا فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى.. ولقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم”.

وما أحسن ما قال المطلبي الشافعي رحمه الله في الرسالة: “هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا”، ومن جميل كلام تقي الدين أحمد بن تيمية: “ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته، أو المناظرة فيه من السلف، فهو بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم، وكلا الظنين طريق من لم يعرف حقيقة الدين ولا حال السلف السابقين”.

ورضي الله تعالى عن إمام دار الهجرة يوم قال: “أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – لجدل هؤلاء؟!.. وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خصم به الآخر، فلم يبق إلا الرجوع لما قاله الله ورسوله والتسليم لهما”، ويوم رد على السائل عن الاستواء بما يشفي الغليل، وحذر من الجدال والمراء.

تعليقات الفيس بوك
اضغط على الرقم للتواصل معنا عبر الواتساب
زر الذهاب إلى الأعلى